حملة المقاطعة و”معاداة اسرائيل!”

الكاتب: حيدر عيد

“أتمنى نكون حضاريين…بدنا أصدقاء للشعب الفلسطيني, مش أعداء لاسرائيل. بدنا أصدقاء إلنا بمنظورنا الحضاري اللائق!”
هذا ما قالته المسئولة الفلسطينية في ردها على محاولة مجموعة من نشطاء المقاطعة ايقاف عرض فرقة الرقص الهندية “كاتك” في رام الله بعد أن كانت قد قدمت عرضاً آخراً في تل أبيب في خرق واضح لمعايير حملة المقاطعة كما أقرتها الغالبية الساحقة من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني و قواه الوطنية و الاسلامية. و تعمل هكذا زيارات الى تبييض صورة اسرائيل المشوهة ويتم استغلالها في اطار حملة “تسويق اسرائيل” وإبرازها على أنها دولة ديمقراطية غير عنصرية. بل أن هكذا فعاليات تضع الجاني و الضحية في سلة واحدة من حيث إبرازهما “كطرفين متساويين”, و ما على الزائر الأجنبي إلا أن يرضيهما معا من خلال الرقص أو الغناء لهما في تل أبيب و رام الله.

من المؤسف أن نفس المسئولة الفلسطينية اعتبرت أن الموقف الوطني الذي مثله نشطاء المقاطعة”غير حضاري!”و بناء عليه فإن المواقف التي اتخذها أمثال نلسون مانديلا و دزموند توتو غير “حضارية” لأنهم كانوا يدعون لمقاطعة الفرق التي “تسلي” المضطهِدين البيض في جنوب أفريقيا ثم تحاول تبييض ذلك “بتسلية” المضطهَدين السود.

و لكن الواقع اللذي لا يغطي بغربال هو أنه لولا حملة المقاطعة الدولية ضد هذا النظام لما خرج نلسون مانديلا من غياهب السجون العنصرية, و لما تم القضاء على هذا النظام عام 1994 في أول انتخابات ديمقراطية تعددية أدت الى تولي حزب المؤتمر الوطني الأفريقي قيادة الدولة الجديدة, دولة ما بعد الأبارتهيد. من هذا المنطلق تحاول حملة المقاطعة الفلسطينية, و بنجاح كبير مشهود له على الصعيد العالمي, توجيه طاقاتها نحو تعزيز مفهوم المقاطعة كأسلوب مقاومة لاعنفي, مدني نجح في أكثر من دولة محتلة, و بالذات ضد نظام الأبارتهيد البغيض. وليس من الغريب أن الكثيرمن القيادات النقابية والشعبية الفلسطينية قد أعربت عن تأييدها و تبنيها لنداء المقاطعة الفلسطيني الصادر عام 2005 والذي يتمحور حوله شبه اجماع فلسطيني الأن. فهل هذا يمثل موقفا “بربرياً؟!”

و للتعريف بمنطق المقاطعة فانه يقوم على أساس الحق الأخلاقي للمضطهَد (بمقاومة المضطهِد, و الطلب من المجتمع الدولي التدخل لصالح الأول في حالة وجود هوة هائلة بين الطرفين من ناحية العتاد و القوة العسكرية…الخ. ان (الحوار) لم يثيت تاريخيا أنه نجح في اقناع أي مستعمر بالتخلي عن امتيازاته. و في حدود علمي فان المقاومة المدنية الفعالة و الأخلاقية, و بالذات المقاطعة التي تعتمد على وضع المجتمع الدولي أمام مسئولياته من خلال الضغط على المحتل الغاشم, هي أنجع الطرق لانهاء القمع الاسرائيلي المركب. و في هذا السياق فإن ما قام به نشطاء المقاطعة, حينما طالبوا بمقاطعة الفرقة الهندية, يمثل الموقف الفلسطيني كما تعبر عنه لجنة المقاطعة الوطنية.

و تأتي هذه الحادثة المؤسفة بعد استجابة العديد من مؤسسات المجتمع المدني العالمية للنداء الفلسطيني من خلال فعاليات مصحوبة ببيانات تعرب ليس فقط عن تفهمها الكامل بل وتقديرها للنداء الفلسطيني كذلك. و الانجازات المتراكمة بشكل سريع لحملة المقاطعة الدولية تتحدث عن نفسها, و هي تأتي من منطلق خلق أعداء لسياسات اسرائيل من احتلال و أبارتهيد و استيطان, و ذلك بناء على ما أقره القانون الدولي, إلا إذا كان ذلك القانون لا يعتبر “حضاريا” بالشكل الكافي!

لا حاجة للقول أن الطريقة التي تحدثت بها المسئولة و عملية الاعتقال, مصحوبة بالاعتداء الجسدي على نشطاء المقاطعة, تشكل أسبقية و ضربة مؤلمة جدا ليس فقط لمنطق المقاطعة, بل للمقاومة الشعبية برمتها. نعم هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها مسئول فلسطيني تقويض حملة المقاطعة، من لقاءات مع ممثلي منظمات اسرائيلية, وإصدار تصريحات مثيرة للجدل, و لكن التصريح بأننا لا نريد خلق أعداء لاسرائيل, و اعتبار بعض نشاطات المقاطعة غير”حضارية”, بل الاعتداء بالضرب على النشطاء و اعتقالهم, ثم تقديمهم لمحاكمة, هو أمر غير مسبوق, و يتطلب رد فعل فوري من جميع القوى التي تتبنى نداء المقاطعة قولا و فعلا! إن ما يزيد الطين بلة هو أنه قد تم الإفراج عن الناشطين بكفالة مقدارها 5000 دينار مع الإصرار على تقديمهم للمحاكمة! و هذا بدوره يعني أن هذا الشكل السلمي من أشكال المقاومة المدنية والشعبية ضد الاحتلال أصبح جريمة يحاسب كل من يرتكبها أمام القضاء! أضف الى ذلك أنه و منذ انطلاق حركة المقاطعة BDS عام 2005 وحتى اليوم، لم يتم اعتقال أي ناشط في حركة المقاطعة BDS حول العالم، حتى في اسرائيل! و ها هو يحصل في فلسطين!

إن الضرر الهائل الناتج عن هكذا تصريحات و مواقف, هو أن نشطاء المقاطعة في فلسطين يعولون كثيرا على التأييد الأممي لحملتهم و على الفعاليات الحضارية التي يقوم بها النشطاء في العالم لابراز الوجه غير الحضاري للاحتلال و الأبارتهيد. إن التأييد الذي حصلت عليه الحملة الفلسطينية للمقاطعة من قبل كبار المناضلين أمثال الأسقف دزموند توتو والمناضل ابراهيم كثرادة و المغني روجر ووترز و العالم ستيفن هوكنجز و المفكرة جوديث بتلر, و العديد العديد من المناضلين والمغنيين و الشخصيات الثقافية البارزة, قد يتعرض لضربة يجب العمل على تجنب عواقبها بكل الأشكال. فحملة المقاطعة الفلسطينية لا تستطيع أن تضحي بهكذا انجازات بسبب عقد دونية يعاني منها البعض. فهذا الحفل الذي أقيم في مدينة رام الله ما هو إلا تعد صارخ على الاجماع الفلسطيني الممثل بقرارات اللجنة الوطنية للمقاطعة، والتي تضم في عضويتها الغالبية الساحقة من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني و القوى الوطنية و الاسلامية. و بالتالي فإن المعايير التي حددتها لجنة المقاطعة الوطنية لحملة المقاطعة الدولية قد يدور حولها الكثير من علامات الاستفهام و التعجب بسبب عدم قدرة الحملة على تطبيق هكذا معايير فلسطينياً.

و من هذا المنطلق لابد لنا من وقفة جادة. لابد لنا أن نتساءل عن وموقف حركة فتح, ومنظمة التحرير الفلسطينية؟ هل نفهم أن بيان وزارة الثقافة حول الفعالية و ما تخللها ,و هو بيان مليء بالمغالطات التي تم تفنيدها في المؤتمر الصحفي للنشطاء في تاريخ 19.4.2014, هو الموقف الرسمي الفلسطيني؟ و بالتالي فإن الموقف الرسمي يدعو لتقويض حملة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات (BDS) على إسرائيل؟ و اذا كان الجواب بالنفي فما هي الخطوات التي سيتم اتخاذها في حق أي مسئول فلسطيني يعمل على تقويض الحملة بل والتعاون مع الأجندة الدعائية الإسرائيلية الساعية لتبرير انتهاك إسرائيل لحقوقنا وللقانون الدولي؟

لم يعد هناك مجال للحديث عن “طرفين” لأن اسرائيل تستغل هكذا فعاليات فنية تطبيعية لتبييض صورتها في نفس الوقت الذي تزيد فيه عدد المستوطنات بشكل ينفي, و بلا عودة, امكانية اقامة دولة فلسطينية على حدود 67, و بنت جدار الفصل العنصري, و حاصرت غزة, و شنت حربي ابادة أدت لمقتل ما يزيد عن 1500، معظمهم من المدنيين , بينهم ما يزيد عن4500 طفلا, و هاجمت كل من حاول التضامن مع الشعب الفلسطيني, وتسعى لتهويد القدس, و زادت عدد الحواجز في الضفة الغربية الى أكثر من 650 حاجز, و تستمر بسن وترسيخ القوانين العنصرية ضد فلسطينيي ال 48, و تمنع عودة أكثر من 6 مليون لاجئ.فهل هذا وضع طبيعي؟! ألا يتطلب ذلك العمل على زيادة عدد من يعادي هكذا نظام؟!

في جنوب أفريقيا كان الحل مع نظام الأبارتهيد واضح للجميع: المقاطعة حتى القضاء على هذا النظام, أي خلق حالة عدائية مستديمة له, لا حوار على أساس تحسين شروط الاضطهاد, بل القضاء على الاضطهاد برمته. و لم يكن من يطالب بذلك يُعتبر “متخلفا”, و إلا فإن ذلك سيطال المهاتما غاندي و مارتن لوثر كنج اللذين طالبا و بشكل واضح لا لبس به بعدم المساواة بين الضحية و الجلاد, و على خطاهما سار نلسون مانديلا و رفاقه اللذين رسخوا ما يميز الحضارة الانسانية المعاصرة من عدم التسامح مع أشكال الاضطهاد المغرقة بهمجيتها, المعادية لكل ما هو إنساني. و لكن كان هناك من اعتبر مانديلا “ارهابيا”, بالضبط كما يوجد الآن من يعتبر نشطاء المقاطعة “غير حضاريين

Advertisements

One response to “حملة المقاطعة و”معاداة اسرائيل!”

  1. يجب علينا ألا نخجل من وصف اسرائيل والغرب كل الغرب المراوغ الكاذب الذي سلب منا فلسطين بالكاذب والحاقد على الامة العربية. وعلينا أن نعامله بلغة الحقد والمقاومة وأن نقاوم في نفس الوقت كل دعاة المهادنة والتسامح من أدعياء الحضارة من العرب الانهزاميين الذين يخادعون أبناء جلدتهم بإمكانية التفاوض أو التقارب مع العدو، اسرائيل و الغرب على حد سواء. كتونسي أشعر بالعار ممن حكموا هذا البلد منذ عشرات السنين وخاصة من يدعون أيديولجية الاسلام السياسي حين وقفوا مستميتين لرفض إدراج بند في الدستور يجرم التطبيع مع العدو. إنهم والله أشد عداوة لنا وحقدا علينا من الغرب وربيبته اسرائيل.
    فلنقف جميعا في وجه هذا التيار الهدام ولنخلص بلالدنا من هذا الوباء. وشكرا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s