رأي: المقاطعة وتحرير العقل الفلسطيني!

حيدر عيد

“من رضع من ثدي الذلّ دهراً … رأى في الحرّية خراباً وشراً” محمود درويش

هل نحن وهم “جيران”, كما يردد البعض؟ أم أنهم يشكلون مجتمع استعمار استيطاني يمارس التفرقة العنصرية و التطهير العرقي الممنهج, فيما نحن مضطهَدون نمثل الطرف المستَعمَر الذي يحق له المقاومة؟! الجيران عادة ما يكونون متساوين في الحقوق و الواجبات, يحترمون حقوق الجيرة. فهل هذا ينطبق على طبيعة العلاقة بين الاسرائيليين المحتلين لفلسطين و الفلسطينيين الذين يعانون من اضطهاد مركب يمارسه “الجار” الاسرائيلي من منطلقات أيديولوجية haidarمغرقة في عنصريتها؟

هل كان المستعمر الفرنسي جارا كريما للجزائري العربي؟ و هل كان المستوطن الأبيض في جنوب أفرقيا إبان نظام التفرقة العنصرية يمارس “حق الجيرة” مع السكان السود الأفارقة؟ و العنصري الأبيض في الجنوب الأمريكي يبدي “كرماً” مع جاره من أصول أفريقية, العبد سابقاً؟

في فيديو انتشر قبل بضعة أشهر يظهر بعض الجنود الاسرائيليين يرقصون وهم محمولين, بأسلحتهم, على أكتاف بعض الشباب الفلسطيني في حفل زفاف أقيم في مدينة الخليل المحتلة. الجميع يبدو فرحاً! وقبل أسبوع انتشر تقرير مصور على القناة الثانية للتلفزيون االسرائيلي لمجموعة من رجال الأعمال من غزة في اجتماع مع عميد من الجيش الاسرائيلي لتنسيق دخول بضائع و اسمنت. لغاية هنا و الأمر “طبيعي” لأننا مضطرون للتعامل مع الاحتلال الذي لا زال يدير حياتنا اليومية من تسجيل المواليد الى السماح بادخال الدواء و الطعام و تحديد عدد السعرات الحرارية التي نستطيع تناولها يوميا. إلا أن الأحضان و القبلات التي تبادلها العميد “الودود”, الذي يلبس زياً عسكرياً, مع بعض الحاضرين, بالاضافة لابتسامات المجاملة المبالغ فيها, و الاصرار على أننا “جيران” و يجب أن “نتعلم كيف نتعايش سويا”, و “أن ننسى الماضي و نفكر بالمستقبل” تثير العيدد من الأسئلة المفرطة في صعوبتهاعلى الرغم من أن هذين المثالين كفيلان بتحريك مشاعر جياشة من الألم الشديد!

هل تم استعباد جزء من العقل الفلسطيني؟ و هل لذلك علاقة باتفاقيات اوسلو التطبيعية؟ ما الذي جعل مجموعة من الشباب الفلسطيني تقتنع بأن الرقص مع جندي مدجج بالسلاح فعلٌ جديرٌ بالتقدير؟ و رجل يرى أن القبلات مع عميد ببزة عسكرية فعل له “بعدٌ انساني؟!” و السؤال الأصعب, كيف وصل البعض منا الى درجة أن يعد الاحتلال و الأبارتهيد و التطهير العرقي من أعمال “الجيرة؟” و هل يمكن فصل ذلك عن المناخ الأوسلوي المتراكم لمدة 20 عاما؟

في جمهورية جنوب أفريقيا العنصرية قام السيد الأبيض بتقديم ما اعتبره “تنازلات كريمة” حين قام بالسماح باقامة معازل عرقية على 12% من ارض جنوب أفريقيا ليعيش عليها السكان الأفارقة بعد السماح لمن عدهم رؤساء بالتوسط عنده لتحسين معيشة السكان-العبيد. و كان أولئك القادة يشعرون بالفخر لخدمتهم السيد الأبيض, بل يستميتون للحصول على رضاه. و التجربة نفسها تكررت في الهند و العديد من الدول التي عانت ويلات الاستعمار, بالذات الاستيطاني منه.

و لكن التماهي مع السيد و العمل الحثيث للحصول على رضاه ياخذان أشكالا مختلفة, و كثيرا ما يكون هناك حالة من الإنكار المصحوبة أحيانا بمحاولات حثيثة لابراز الجانب “الانساني” في العلاقة بين “الطرفين-الجارين!”و لكن أصعب حالات التماهي هي عندما يشعر العبد أنه أصبح “حراً” و بناءا على ذلك يقوم باتباع اساليب قمعية ضد باقي العبيد شبيهة بتلك التي استخدمها السيد. كل ذلك يأتي نتيجة استهداف عقل العبد بهدف تطويعه بالكامل. و تم ابتداع مصطلح “زنجي المنزل” و/أو “العم توم” ليعبر عن هذه الحالة.

إذاً هي حالة اشتباك متواصل مع أشكال الاضطهاد المتعددة التي تمارسها اسرائيل, و أخطرها معركة تشكيل الوعي الفلسطيني كمشروع تحرري لا يرى في تحسين شروط الاضطهاد و القمع أي شكل من أشكال الحرية, مشروع مقاوم يعد تحرير العقل مقدمة ضرورية لتحرير الأرض و الانسان, يرى في المساواة الكاملة بين بني البشر نقيضا لما يمثله المشروع الصهيوني, كما كان نقيضاً لنظام التفرقة العنصرية الأبيض في جنوب أفريقيا. من كان يتصور في منتصف الثمانينيات أن نيلسون مانديلا سيخرج من سجون الأبارتهيد عام 1990؟ مَن مِن رؤساء المعازل العرقية البغيضة, الأعمام توم, كان يتوقع أن يصبح مانديلا رئيسا حتى للبيض و أن البانتوستانات ستُلقى في مزابل التاريخ؟! قبل أن يتم اغتيال مارتن لوثر كينج, زعيم حركة التحرر المدني ضد العنصرية في أمريكا, في أواخر الستينيات, كان قد قال أن لديه حلم, حلم مبني على تحرير العقل و خلق “وعي أسود,” على حد قول المناضل ستيف بيكو, الذي اغتيل على أيدي المحققين البيض في جنوب أفريقي, ذلك الحلم الذي أوصل أول رئيس أسود الى قمة الحكم في جنوب أفريقيا, بل حتى في الولايات المتحدة.

و في الحالة الفلسطينية فإن أي مراجعة نقدية جادة, وهذا شرط أساسي من شروط التحرر,ترى أن المناخ الذي خلقته اتفاقيات أوسلو التطبيعية, حسب تعريف التطبيع الذي وافقت عليه كل القوى السياسية الفاعلة و الغالبية الساحقة من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني, قد قلب المعادلة من حالة اشتباك بين مضطهِد مستعمِر مستوطن اسرائيلي و مضطَهَد محتل فلسطيني الى وضع بين “طرفين متساويين” يتصارعان على أراضٍ “متنازع عليها,” و أن “الحوار” و “المفاوضات” من خلال وسيط أمريكي ستؤدي الى “حل عادل.” ,و أن على”الطرفين” “محاربة الارهاب” للوصول الى “سلام” يضمن “أمن اسرائيل.” و بالتالي فإن على الطرف الفلسطيني “كسر الحواجز النفسية” و نزع “الحقد” الذي يزرعه من خلال تربية و مناهج تعليم “حاقدة” و “معادية للسامية!” و الوقع الآن يشير الى أن ما أوصلتنا إليه 20 سنة من المفاوضات بين طرفين غير متساويين هو الوضع التالي: إما قبول خطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري, وهذا انتحار جماعي وتصفية بالضربة القاضية للقضية الفلسطينية برمتها من خلال الطلب من الطرف الفلسطيني (العبد) الاعتراف “بشرعية” نظام العبودية بالكامل, من احتلال و أبارتهيد و استيطان و يهودية اسرائيل, مقابل معزل عرقي منقوص السيادة—و كل المعازل بطبيعتها كذلك– على أجزاء من الضفة الغربية, أو عدم قبول الخطة مما سيؤدي الى لوم الضحية, كالعادة, و بالتالي تعرضنا لهجمة شرسة مخيفة ستكون من أسوأ ما تعرضنا له تتخطى حسابات السعرات الحرارية التي سيُسمح لنا بتناولها يوميا!

كل ذلك يأتي في سياق المناخ الذي خلقته عقلية “الجيرة” واعتبار تحسين شروط الاضطهاد أفضل ما يمكن أن نحصل عليه! أو هلوسات أيديولوجية تعتبر أننا في غزة, التي تموت ببطء, قد “تجاوزنا الحصار!” و أن قطاع غزة “محرر!” بمعنى أن التاريخ شهد أيضا عقلية العبد الذي يعتقد أنه “حر,” و يعيش حالة من الانكار من خلال منع الأشكال الفعالة لمحاربة العبودية طالما أنها لا تتناسب مع صورته الكاذبة عن نفسه.

و من هنا تاتي الأهمية القصوى لعملية تحرير العقل الفلسطيني. و هذا هو بالضبط ما تسعى له حملة المقاطعة بشكل عام, و الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية و الثقافية لاسرائيل بشكل خاص, مواصلة ما بدأه ادوارد سعيد و محمود درويش و غسان كنفاني و ناجي العلي, و قبلهم العديد من المفكرين/ات , في أعمال أدبية و نقدية تخطت القيود الأيديولوجية المحدودة, ومن حيث كونها امتدادا للنضال التحرري و الكفاح الشعبي الذي مارسه الشعب الفلسطيني على مدار القرن المنصرم, ومن الدروس النضالية للشعوب التي عانت من أشكال مشابهة من القمع و الأبارتهيد/الاستعباد. و هنا لابد من الاشارة الى الانجازات غير المسبوقة للحملة التي تعبر عن العقل الفلسطيني الحر الذي يقود المقاطعة الدولية بأساليبب فعالة حققت اختراقات و قفزات فاجأت اسرائيل, و حتى أمريكا, وطبعاَ الداعين “للجيرة الحسنة”. قبل عامين فقط كان انتقاد اسرائيل في الولايات المتحدة نوعاَ من المحرمات التي لا يمكن لمسها, و الان تتبنى خمس جمعيات أكاديمية أمريكية نداء المقاطعة, ناهيك عن حملات عدم الاستثمار التي يقودها طلاب جامعات ضد العديد من الشركات الاسرائيلية. حرب العقول هذه نجحت في اقناع ستيفن هوكنجز, أبرز و أشهر عالم فيزياء على سطح الكرة الأرضية, بمقاطعة مؤتمر أكاديمي تحت اشراف الجامعة العبرية.

المقاطعة, التي لا تعتمد على خطاب الصدقة و الاحسان و تحسين شروط الاضطهاد, هي التي جعلت ابراهام بورغ, رئيس الكنيست السابق و رئيس الوكالة اليهودية سابقا, يكتب كلاما في غاية الأهمية عن حملة المقاطعة و الخطر الذي تمثله على اسرائيل في مقالة له في جريدة هارتس اهم ما جاء فيه أن الضغط الشعبي العالمي بدأ يؤثر على الحكومات التي بدأت تتخذ خطوات عملية ضد اسرائيل, و أن فرض عقوبات على اسرائيل قادم لا محالة. فمن سحب استثمارات صندوقي التقاعد الهولندي و النرويجي من بعض البنوك الاسرائيلية, الى قرار أكبر شركة مياه هولندية و أكبر ينوك الدنمارك باتخاذ مواقف مشابهة, و قرار رئيس الوزراء الدنماركي عدم زيار اسرائيل, و الخسارات التي سجلتها شركات فيوليا و (جي 4أس) و غيرها, و قائمة المغنين و المغنيات الذين يرفضون الغناء للأبارتهيد الاسرائيلي, و النصائح التي أبدتها الحكومة البريطانية للشركات الانجليزية بعدم التعامل مع المستوطنات, و المعايير التي وضعها الاتحاد الأوروبي بعدم التعامل مع منتجات المستوطنات , و إصدار وزارة الخارجة الجنوب أفريقية تعليمات لدبلوماسييها بعدم زيارة اسرائيل, يجد نظام الاضطهاد الصهيوني المركب نفسه في حالة عزلة غير مسبوقة كما قالت افتتاحية هاارتس قبل يومين ووزيرة العدل تسيبي ليفني ووزير الاقتصاد يائير ليبيد. و بسبب تأثير شبح المقاطعة الذي يهيمن على أركان الاقتصاد الإسرائيلي قامت جريدة ” يديعوت احرونوت”, الأكثر قراءة في اسرائيل, بتنظيم بحث عبر الإجابة على عدة أسئلة هامة تتعلق بالمقاطعة و ذلك في محاولة لفهم أبعادها وأطرافها وتأثيراتها الاقتصادية على إسرائيل و الخطوات التي تقوم بها حكومة إسرائيل لتقليص الأضرار.

و لأننا لا نستطيع إلا استثمار هذه الجهود الخلاقة التي تعمل على جسر الخلل الهائل في موازين القوى بين الاسرائيلي الذي يملك رابع أقوى جيش في العالم, مدجج بأسلحة تدميرية هائل, و الشعب الفلسطيني الذي يملك القوة الأخلاقية العليا فقط لصالحه, مما يحتم تدخل القوى العالمية الشعبية ذات الضمير الانساني التي تدخلت لصالح المضطًهَد الأسود في جنوب أفريقيا و عملت بتوجيهاته على عزل النظام العنصري, و كما تقوم حملة المقاطعة الدولية على أساس تحقيق ضغوط شعبية على الحكومات, فإنه الأجدر بالقوى الشعبية الفلسطينية ممارسة ضغوط أكبر على منظمة التحرير و السلطة الوطنية لايقاف كل الممارسات التطبيعية الصارخة التي تقوض كل انجازات المقاطعة.

في آخر عمل للمخرج الأمريكي المتميز كونتين تورنتينو عن العبودية في الولايات المتحدة بعنوان “دجانجو” يظهر أحد العبيد السود الذي يشرف على أعمال السيد الأبيض بتفانٍ غير عادي للحصول على رضاه. يعمل هذا العبد على الكشف عن اي مؤامرة يشعر بها تحاك ضد السيد و/ أو أي محاولة لتحرير العبيد الذين يعملون في مزارع القطن. “أجمل” ما في الفيلم هو التهم التي توجه للعبيد “ناكري الجميل” و أن أفضل ما يمكن أن يسعوا لتحقيقه هو تحسبن ظروف معيشتهم. و لكن البطل الأسود الذي يعبر عن حلم العبد الذي يحرر عقله لا يجد خيارا إلا الاشتباك مع السيد الأبيض لتحرير زوجته.
و ما المقاطعة إلا فعل تحرر اشتباكي مع اسرائيل لا يؤمن بهدنة, لا قصيرة و لا طويلة الأمد, و لا يؤمن بأن تحسين شروط الاضطهاد–من السماح بادخال 50 جرام من الأسمنت و 3 علب دواء لعلاج السرطان و 5 قوارير من حليب الأطفال خلال بوابات السجن—تبرر تبادل القبل و الابتسامات العريضة مع مجرمي حرب. هي, اي المقاطعة, فعل مقاوم مستمر طالما أن هناك احتلال, تفرقة عنصرية و تطهير عرقي.
نقطة و أول السطر!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s