الإعلام العربي و حملة المقاطعة

وكالة معا الاخبارية – 2-1-2014 – حيدر عيد 

207457_345x230نتيجة للحالة الجديدة التي خلقتها حملة المقاطعة الدولية في اتجاه عزل اسرائيل و فرض عقوبات عليها حتى تستجيب للشرعية الدولية الواضحة في تعاملها مع الحقوق الفلسطينية من حرية و عودة و عدالة و مساواة, بدأ الاعلام العالمي الرسمي بالانتباه و التطرق لما كان قبل سنوات قليلة يعتبر من التابوهات المحرمة فيما يتعلق باسرائيل. و لم تأت هذه الحالة من فراغ, و إن كان هذا هو الانطباع الذي يريد الكثير من الاعلام العربي الرسمي تسويقه. فأي قراءة دقيقة للانجازات الكبيرة في الفترة الأخيرة, بالذات بعد مجزرتي غزة 2009 و 2012, التي جاءت بعد تراكمات نضالية سبقت الحربين , تصل لنتيجة واحدة ألا و هي أننا نمر في لحظة تاريخية غير مسبوقة في سبيل تطلعاتنا التحررية و في تغير ملموس في أساليب نضالنا, كما حصل أيام الغضب ضد مخطط برافر, مدعومة بحملة أممية لمقاطعة اسرائيل بسبب تعديها السافر على القوانين الدولية من خلال استمرارها في احتلال أراض عربية منذ عام 1967 و بناء المستوطنات في هذه المناطق, و عدم تطبيقها لقرار الأمم المتحدة 194 المتعلق بحق اللاجئين في العودة الى ديارهم, و القوانين العنصرية التي تحكم من خلالها و تميز بين مواطنيها اليهود و أولئك المنتمين لديانات أخرى.

و من خلال متابعة بعض و سائل الاعلام العربية الرسمية, يخرج المتابع بانطباع أن هذه الانجازات إما جاءت من فراغ, أو هي نتاج توجيهات خارجية, في كل الحالات غربية. من أهم الانجازات التي لفتت نظر حتى النيويورك تايمز و الواشنطن بوست قرار جمعية الدراسات الأمريكية, بعد قرار جمعية الدراسات الأسيوية, في الولايات المتحدة الأمريكية بتبني قرار مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الاسرائيلية بسبب مشاركتها مباشرة في الجرائم الاسرائيلية الممارسة ضد الشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاث. و إن كان قرار الجمعيتين يأتي بعد تراكمات كبيرة من أهمها رفض عالم الفيزياء الأشهر ستيفن هوكنجز حضور مؤتمر أكاديمي في الجامعة العبرية تحت إشراف رئيس الدولة, شمعون بيريز, و قرار اتحاد الأساتذة في ايرلندا بتبني المقاطعة الأكاديمية, و قطع جامعة جوهانسبرج علاقاتها الأكاديمية مع جامعة بن جوريون, في اطار خط تبايني تصاعدي جعل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو يتخذ قرارا بنقل ملف محاربة المقاطعة من وزارة الخارجية الى وزارة الشئون الاستراتيجية.

و لا شك أن كسر التابوهات السياسية فيما يتعلق باسرائيل في الولايات المتحدة قد أخذ منحىً جديداً بعد هذه الضربات المتتالية مما جعل اللوبي الصهيوني و الأصوات المؤيدة لاسرائيل تلجأ لاستخدام تكتيكاتها المعهودة من اتهامات” بمعاداة السامية و استهداف اسرائيل و محاربة حرية البحث العلمي”…الخ و عادة ما تقوم وسائل الاعلام الرئيسية باستضافة صوت مؤيد وآخر معارض للمقاطعة, و عادة يكون كلاهما من خلفية يهودية. و الملاحظ هو استبعاد الصوت الفلسطيني!

و لكن أكثر ما يثر القلق هو طريقة تغطية الاعلام العربي لهذه الانجازات الكبيرة. فعلى صعيد المثال قامت صحيفة الحياة اللندنية في عددها الصادر يوم الأحد 29.12.2013 بنشر مقالة بعنوان المقاطعة الأكاديمية: جرأة الغرب و فتور العرب! حيث قام الكاتب بالتركيز على قرار جمعية الدراسات الأمريكية و اعتباره امتدادا لما “سبقه من سلسلسلة طويلة من حملات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في العالم الغربي.” ثم يقوم الكاتب الصحفي بمتابعة تاريخية لهذه الحملات و يعود الى عام 2002، عندما بادر أكاديميان بريطانيان، في أوج الاجتياحات الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية إلى نشر رسالة مفتوحة في صحيفة” الغارديان” البريطانية تحمل 123 توقيعاً لأكاديميين بريطانيين، وتدعو مؤسسات الثقافة والأبحاث الأوروبية والقومية التي يمولها الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على إسرائيل ما لم تلتزم بقرارات الأمم المتحدة. ثم يذكر انضمام العديد من الأكاديميين البريطانيين لهذا النداء, و ينتقل الى انجازات أخرى في مجال عدم الاستثمار و المقاطعة و تزامنها مع إقرار الاتحاد الأوروبي مبادئ توجيهية تنص على استثناء الأراضي المحتلة منذ 1967 من أي اتفاق مع إسرائيل. ثم يقوم بإلقاء اللوم على عدم إبداء العالم العربي اهتماماً بقرار جمعية الدراسات الأمريكية، أو البناء عليه لتوسيع رقعة المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في “العالم الغربي،” والاستفادة من “الدعاية المجانية” التي خلقها قرار جمعية الدراسات الأميركية لإيضاح المظالم الفلسطينية.

و المثال الثاني للتغطية العربية لحملات المقاطعة و انجازاتها في الفترة الأخير يأتي من تقرير على صفحة الجزيرة نت بعنوان” توقعات بتنامي مقاطعة إسرائيل عالمياً” نُشرفي تاريخ 30.12.2102 عن تخوفات اسرائيلية من تنامي الحملة و بقوم الكاتب باقتباس العديد من الساسة و المحللين الاسرائيليين في مقابل أكاديميين اثنين من فلسطينيي ال48 و المؤرخ التقدمي المعادي للصهيونية إلان بابيه. و يختتم بالتأكيد على أهمية حملة المقاطعة في هذه اللحظة التاريخية.

و لكن الملاحظ في كلا التقريرين هو الغياب الكامل للمنطق الجوهري و أساس حملة المقاطعة العالمية ألا و هو أنها تأتي استجابة لنداء المُضطَهَد الفلسطيني الى المجتمع المدني العالمي بمقاطعة اسرائيل و عدم الاستثمار فيها و فرض عقوبات عليها. و يأتي قرار جمعية الدراسات الأمريكية كما نص بشكل واضح استجابة لنداء الأكاديميين الفلسطينيين الذي عبر عنه البيان الذي صدر عام 2004 مع تأسيس الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية و الثقافية لاسرائيل. كذلك فإن كل الانجازات التي تم ذكر جزء منها في التقريرين تأتي نتيجة بيان المجتمع المدني الفلسطيني المعروف بنداء المقاطعة عام 2005. القارئ للتقريرين المذكورين يخرج بانطباع واحد ألا وهو أن قرارات الجمعيات الأكاديمية الأمريكية, و من الملاحظ أن كلاهما لا يذكر قرار جامعة جوهانسبرج كأول جامعة تتبنى نداء المقاطعة (!), و النقابات و المؤسسات جاء نتيجة مجهود غربي بحت, إن لم يكن من فراغ! بمعنى أن الصوت الجمعي الفلسطيني قد اختفى تمامأ, أو أنه عاجز عن إيصال الرسالة المطلوبة. هل هو خوف, في حالة جريدة الحياة السعودية, من النمو اللافت للنظر لحركات شعبية و مقاومة مدنية ديمقراطية في صميمها تعمل على دمقرطة النضال من أجل حقوق مدنية؟ هل هو, في كلا الحالتين, نوع من الاستشراق الذاتي يعبر عن عدم قدرة العربي, الفلسطيني في هذه الحالة, عن قيادة حركة احتجاجية عالمية؟ عدم قدرته على الابداع النضالي الديمقراطي؟ لماذا, في قناة الجزيرة, لا يتم استضافة أحد أعضاء الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية و الثقافية لاسرائيل لاستيضاح الموقف الفلسطيني الذي على أساسه تنامت المقاطعة الأكاديمية؟ أو أحد أعضاء سكرتاريا لجنة المقاطعة الوطنية لتوضيح الانجازات على صعيد المقاطعة الاقتصادية مثلا؟

على العكس من ذلك, فمعظم التقارير بهذا الخصوص, و هي قليلة, ترسخ الانطباع الاستشراقي السائد بأن المبادرين بالحملة هم دائماً من الغرب. على الرغم من أن تقريباً كل من تبنى المقاطعة في الغرب و الشرق يوضح بشكل لا لبس فيه بأن القرار يأتي “استجابة لنداء المجتمع المدني الفلسطيني” ممثلا في حالة المقاطعة الاقتصادية بلجنة المقاطعة الوطنية التي تعبر عن إجماع فلسطيني, او “نداء الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية و الثقافية لاسرائيل” في حالة مقاطعة مؤسسات أكاديمية أو شخصيات ثقافية أو فنانين.

إن عقدة الدونية لدى الطبقات المتوسطة في العالم العربي فيما يخص العلاقة مع الغرب هي الضبط ما تسعى الحملة الى التخلص منه في سبيل تحرير العقل كخطة ضرورية نحو تحرير الأرض وصولاً الى مجتمع تعددي ديمقراطي يؤمن بالمساواة لكاملة بغض النظر عن لون الجلد. هذا هو صميم نداءات حملة المقاطعة (2004 و 2005) حيث ركزت على الطبيعة الديمقراطية لها كحركة نضال مدني تشمل جميع الطبقات و الأعراق و الأجناس, نداءات تأخذ الاعلان العالمي لحقوق الانسان كنقطة انطلاق. هي نداءات من المُضطَهَد المُستعمَر الى المتضامنين في أرجاء المعمورة أن التضامن ممكن عملياً من خلال المقاطعة بأشكالها المتنوعة. و هي ليست لأولئك الذين يدعو ن “التضامن” و لكن من خلال اصدار توجيهات و إلقاء محاضرات فوقية الى الشعب المطحون عن كيفية النضال.

و هكذا فإن كل الانتصارات التي جاءت في إطار المقاطعة تأتي في سياق استجابة المتضامن الأممي للصوت الفلسطيني القوي. فقد ولي زمن المحامي الضعيف المشغول بأمور لا تمت للمشروع التحرري الحقيقي بصلة, وأصبح هناك من يدافع دفاعاً صلباً لا يتنازل عن قائمة الحقوق كاملةً, ذلك الصوت الذي لا يرى حواجزاً بين نضالات الشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاث. و هذا هو الصوت الذي يستجيب له الكثير من أحرار العالم, و يرفض الاعلام العربي الرسمي الاعتراف به!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s