ترويج سياحي لإسرائيل من بغداد!

العالم الجديد – 13-8-2013 – علاء اللامي

حتى يومنا هذا لم تتجرأ جهة أو شخص على إعلان صداقته أو دفاعه عن دولة العدو الإسرائيلي إذا استثنينا الحالة الشاذة التي أقدم عليها مثال الآلوسي النائب السابق والقيادي السابق في حزب أحمد الجلبي، والذي زار إسرائيل حين كان نائبا بشكل علني عدة مرات، بل انه دعا إلى عقد “معاهدة صداقة” مع الكيان الصهيوني قبل بضعة أعوام. وإذا ما صرفنا النظر مؤقتا عن الوضع في إقليم كردستان العراق الذي قيل الكثير حول الوجود الإسرائيلي والعلاقات السرية ونصف السرية بين قياداته المتنفذة والدولة الإسرائيلية، الأمر الذي نفته باستمرار الجهات الحكومية الرسمية، فإننا لا نعدم أن نجد في الصحافة والحياة العامة العراقيتين محاولات بعضها شخصي ساذج قد لا تخرج دوافعه عن مبدأ “خالف تعرف” أو محاولة التفرد بأي ثمن، وبعضها الآخر مريب يشي بأنَّ وراء الأكمة ما وراءها.

أين نضع المقالة التي دبجها أحد كتبة الأعمدة، هو الصحفي صالح الحمداني في يومية ” العالم” البغدادية (عدد 846 في 5 آب 2013) والذي – والحق يقال – لم يسبق له أن كتب شيئا مشابها ولا عرف عنه موقف علني مدافع عن إسرائيل والحركة الصهيونية على حدِّ علمنا؟

المقالة التي كتبها الحمداني تبدأ بعنوان استفزازي يقول (أنا «إسرائيلي» أنا أقرأ!) وكأنه يحاول تذكيرنا بحملة أطلقها ناشطون مدنيون عراقيون قبل أشهر قليلة لتشجيع القراءة وتعاطي الكتب في بغداد وعدد من المحافظات وقد أحرزت تلك الحملة نجاحا وإعجابا ملحوظين حينها. ولكننا لا نقع على أية إشارة أو قرينة مباشرة أو غير مباشرة تربط بين هذه التجربة العراقية وما يكتبه الحمداني عن “جنته” الإسرائيلية. وحين نتقدم في القراءة نجد الكاتب وقد تحول إلى دليل سياحي إسرائيلي قولا وفعلا، وراح يهتف بمحاسن المؤسسات والمدن الإسرائيلية حيث (تل أبيب تقدم نفسها لهم على أنها المدينة التي تحظى ب 300 يوم مشمس في السنة، والذي يمكن السائحين من الاستمتاع بدفن أقدامهم في رمال شواطئها المتوسطية طيلة السنة تقريبا، وقراءة أنواع الكتب، فمكتبة الشاطئ المجانية تتوفر على 500 كتاب حاليا، وبخمس لغات مختلفة… الخ)، قافزا – الحمداني – إلى مغازلة الأساطير الصهيونية بصراحة مستفِزَّة خصوصا في قوله (فهذا هو (شعب الله المختار)، يستعير ويقرأ ثم يعيد الكتاب من تلقاء نفسه إلى المكتبة قبل مغادرته الشاطئ!).
لن نكثر من الاقتباسات من هذا النص الغريب، والذي يوحي للقارئ وكأنه مستل قبل دقائق من كتيب أو دليل سياحي إسرائيلي. وفي المناسبة، فالسيد كاتب العمود لا يتحرج من إظهار معرفته الدقيقة بهذه الأدلة السياحية الإسرائيلية فيستشهد ببعضها من قبيل دليل “لونلي بلانت” السياحي مقتبسا عنه المفاخرة التالية بتل أبيب (ثالث أحلى مدينة من بين عشر مدن في العالم – بحسب دليل لونلي بلانت السياحي – بسبب جمال المناظر فيها، وما تشتمل عليه من الفنون والموسيقى والثقافة الليبرالية. وقد اعتبرت اليونسكو عام 2003 المدينة البيضاء في تل أبيب إحدى مواقع التراث العالمي) ومن قبيل “مؤسسة BDI حول بيع الكتب في إسرائيل”!

ثم، وكأن كاتب العمود تفطن إلى أنه يعيش في بغداد، حيث تنعدم تماما أية ممارسات أو “ثقافة!” تطبيعية مع دولة العدو، وحيث أن العراق الرسمي – كما قيل مرارا – لا يزال في حالة حرب من الناحية الرسمية مع تلك الدولة المعادية، والتي اعتدت عليه عسكريا ودمرت منشآته التي كلفته المليارات، فقد ختم الحمداني عموده بعبارة ذكرنا فيها بطريق لا تخلو من التهكم والسخرية بأنَّ إسرائيل (بلد محتل غاشم ومغتصب يشتري سكانه الستة ملايين حوالي 35 كتابا)!

مرة أخرى نتساءل: أين نضع هذا النص الملتبس والمستفِز؟ كيف نفسر مضمونه وتوقيته؟ أهي سذاجة أم قلة خبرة أم زلة لسان؟ وهل يقع الترويج الصريح لدولة العدو “التي لا يزال العراق في حالة حرب معها” ولمؤسساتها في صحف عراقية ضمن نطاق حرية الرأي والاختلاف في وجهات النظر؟ هل تعتبر الدعاية والترويج للعدو التاريخي للعراق وشعبه وللعرب والمسلمين جميعا وجهة نظر قابلة للنقاش أصلا؟

ليس لنا إلا أن نطرح الأسئلة والتساؤلات في الوقت الراهن على الأقل، بانتظار أن يرفع أصدقاء إسرائيل في بغداد رؤوسهم أكثر، ويصدحوا بخطابهم الحقيقي بشكل مكشوف ليكون الرد عليهم بالطريقة نفسها وبالأسلوب الجدالي ذاته.
* أرسلتُ هذه المقالة التعقيبية لصحيفة “العالم” التي نشرت المقالة المنقودة هنا في اليوم ذاته، ولكنها لم تنشر، ودون إبداء أي سبب، بل وحتى التعليق الذي كتبته ضمن تعليقات القراء عليها لم ينشر. إن حرمان كاتب نشر عشرات المقالات وبشكل تطوعي ودون مقابل طوال سنتين تقريبا من التعقيب على مقالة لكاتب آخر، يعني ضمنا ما يعني، أن تلك الصحيفة المعنية تتبنى ما كتبه صاحب العمود فيها، وتدافع عن مضامينه ولهذا حرمتني من حق التعقيب وإبداء الرأي، لهذا، وبناء على كل ما تقدم، أجدني مضطرا للتوقف تماما عن التعامل مع صحيفة كهذه تنتهج هذا النهج في كتم الأصوات النقدية وتمنع كتابها المتطوعين من حق التعقيب والنقد وتدافع عن – أو في الأقل تسكت وتمرر – مضامين تطبيعية مع الكيان الصهيوني المعادي للعراق وللعرب والمسلمين بعامة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s