«صدمة» زياد دويري.. طريق لا يحتاجه إلى هوليوود

السفير – 06-06-2013 – زكي بيضون

Ziad+Doueiriيقول دويري إنه لم يرد تحقيق فيلم سياسي بل بسيكولوجي ويريدنا أن نحكم على فيلمه من وجهة نظر بحت فنية، لكن ما باليد حيلة، دويري لم يأت من القمر، ولو أراد فعلاً ذلك فما كان عليه سوى أن يختار موضوعاً آخر. بإمكان المرء أن يستشف من مقابلة دويري مع الحياة بأنه يعتبر فيلمه يميل لوجهة النظر الفلسطينية، إن بحياد وموضوعية. ذلك أمر يصعب علي فهمه بعد أن رأيت الفيلم. بطل الفيلم، أمين الجعفري، هو فلسطيني من نابلس حصل على منحة للدراسة في الأرض المحتلة، حيث صار جراحاً مرموقاً حاز الجنسية الإسرائيلية، وكُرم بمنحه إحدى أرفع الجوائز الطبية. بعد حفل التكريم يكتشف الجعفري أن زوجته نفذت عملية انتحارية في مطعم وسط حفل عيد ميلاد يعج بالأطفال. يعطي الفيلم الانطباع بأن العربي الحائز على الجنسية الإسرائيلية يتمتع بمواطنية كاملة ويتجاهل واقع أن الإسرائيلي العربي، مهما علا شأنه، يبقى من الناحية القانونية مواطناً درجة ثانية. ما يؤخذ على الفيلم ليس عرضه لوجهة النظر الإسرائيلية، بل طريقة عرضه لوجهة النظر الفلسطينية. نابلس بأكملها، بمتعلميها وأمييها، بإسلامييها وعلمانييها، تحتفي بالعملية، الكل يكرر لأمين الجعفري بأنه فخور بما فعلته زوجته. يقدم لنا دويري هنا مجتمع فلسطيني بكامله يحتفي بقتل الأطفال الإسرائيليين ويعتبره حقاً مشروعاً. لا يمكن لواقعة مجزرة جنين التي يثيرها دويري لاحقاً أن تبرر ذلك إلا وفقاً لمفهوم بدائي ومرعب عن العدالة: «أطفالهم مقابل أطفالنا». نقطة أخرى استوقفتني أيضاً. وجهة النظر الفلسطينية الوحيدة التي تظهر في الفيلم هي تلك التي ترفض أي تسوية وتعلن أنها لن تتنازل عن شبر واحد من فلسطين التاريخية. الفيلم هنا يتجاهل واقع أن الفلسطينيين والعرب، ومنذ اتفاق أوسلو، يعرضون على إسرائيل السلام مقابل أن تقبل هذه الأخيرة بتنفيذ حد أدنى من القرارات الدولية التي كانت أساساً وعلى الدوام منحازة إلى مصلحتها.

قال دويري إن الفيلم تعرض للانتقاد في أميركا بسبب انحيازه إلى الفلسطينيين، كما تعرض للانتقاد في العالم العربي لأنه غير منحاز كفاية لهم. لا يمكن اعتبار فيلم دويري منحازاً إلى الفلسطينيين، إلا إذا اعتمدنا المعيار الأميركي المختل الذي يعتبر أقل نقد لدولة أبرتهايد مثل إسرائيل انحيازاً للفلسطينيين.

لنتوقف قليلاً عند تعبيرَي «انحياز» و«حياد». إذا أردنا أن نفهم الحياد كرديف للموضوعية، فالمساواة بين الجلاد والضحية وتحميلهما نفس القدر من المسؤولية هو أمر ليس من الحياد بشيء، بل انحياز يصب في خدمة بروباغاندا الجلاد. فيلم دويري بهذا المعنى منحاز للجانب الإسرائيلي وهو يذكرني بأفلام إسرائيلية تقدم نفسها على أنها نقد ذاتي لمجتمعها، في حين أنها قد تخدم البروباغندا الإسرائيلية بحيادها الكاذب أكثر من الأفلام المنحازة صراحةً. هذا الأمر لا ينطبق بالطبع على كل الأفلام الإسرائيلية. في فيلمه «ليبانون» مثلاً، يعرض الإسرائيلي «صاموئيل موز» تجربته في الجيش الإسرائيلي بأمانة وحياد وثائقيين تدينان وتفضحان ممارسات هذا الجيش وإيديولوجيته. تعج الصالونات الغربية بمدّعي فن وأدب وفكر عرب يبنون أمجاداً من ورق، باللعب على هواجس الغربيين وكليشيهاتهم والمتاجرة ببأس المجتمعات التي قدموا منها. دويري ليس بالتأكيد واحداً من هؤلاء، فهو لامع وموهوب وطريقه إلى هوليوود والاعتراف الدولي لم تبدأ من تل أبيب، ولم تحتج أن تمر بها. يخطر للمرء هنا أن يتساءل إن كان على دويري أن يتعلم شيئاً من بطل فيلمه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s