الفنانة الأميركية “كاسندرا ويلسون” تتضامن مع الشعب الفلسطيني… ولبنانيون ينددون بـ”الإرهاب الثقافي” ضد إسرائيل!

البيان – 29-2-2012 – لبنان

وضعت “كاسندرا ويلسون” انتماءها الوطني جانباً، ولم تقم لمصلحتها المادية أي إعتبار، وأصغت لنداء الضمير وحده، فتراجعت عن إقامة الحفل. أرادت أن تكون أكثر تصالحاً مع إنسانيتها المناهضة للحقد الأزلي والجرائم الانسانية النكراء في فلسطين، ولأبناء لبنان ومصر والأردن والجولان السوري الذين تلقوا حتفهم الدموي من هذا العدو الغاشم للبنان والعرب. وضعت إنتماءها الوطني جانباً ملتصقة بانتمائها للكينونة البشرية، رفضت أن تغني في أرض مستلبة تحت رعاية سلطة غير شرعية التي شربت أراضيها دماء آلاف الشهداء الأبرياء في فلسطين. وهي عقب هذا الموقف تخوض في مواجهة المقاضاة القانونية التي باشر بها منظمو الحفل في إسرائيل.

مستجيبة لتحكيم ضميرها الانساني الذي لم يتقبل رعونة هذه الجرائم وتعنّت العدو الإسرائيلي في اغتصاب أراضينا، تضامنت الفنانة كاسندرا ويلسون، الأميركية، مع القضية الفلسطينية ورفضت أن تغنَي.

في مقابل هذا الموقف المتنوّر والمبهج والذي نقدّره جداً للفنانة ويلسون، ارتفعت أصوات فنانين ونشطاء مدنيين و”مثقفين” لبنانيين يطالبون بـ”إيقاف الإرهاب الثقافي في لبنان” في ردةّ فعل ضد حملة المقاطعة الثقافية لإسرائيل، بعد أن أرسلت بياناً مماثلاً للمغنية الفرنسية لارا فبيان قبل قدومها الى كازينو لبنان وإحيائها حفلها الغنائي في 14 و15 شباط.

فابيان لوحت في البداية من خلال رسالة عاطفية سخيفة بعدم قدومها الى لبنان لأنها لا تريد أن تغني وسط “كراهية” وعدم ترحيب بعض اللبنانيين. لكن الحفل تمّ يوم عيد الحب في كازينو لبنان، على الرغم من الحملة المغرضة.

لقد استنكر المناهضون لما يسمونه بـ”الارهاب الثقافي” أن تتم المطالبة بإلغاء حفل فابيان التي غنّت في حفل الذكرى الستين لتأسيس دولة إسرائيل، منهية حفلها بعبارة “أحبك إسرائيل”. بمعنى أن مبتدعي عبارة الارهاب الثقافي، ينددون بهذا الانغلاق والتقوقع على أنفسنا، ويخشون إحجام فنانين داعمين ومحبين للعدو الصهيوني عن القدوم الى لبنان وإحياء الحفلات على أراضيه، معتبرين أن الفن رسالة يجب تحييدها عن الانتماءات العرقية والطائفية والسياسية.

إذاً، يطالب لبنانيون “مثقفون” -معنيون مباشرة بالمخطط الصهيوني- يطالبون بإقامة حفل لفنانة تحبّ إسرائيل، في حين تمتنع فنانة أميركية-دولتها داعمة لاسرائيل- عن الغناء في تل أبيب. ما رأيكم بهذا التناقض العجيب بين الموقف والانتماء؟ بين تعبير كاسندرا عن شجبها للسياسة الإسرائيلية، ورفض مجموعة لبنانية “متثقفة” لهذا التعبير، في ظروف مماثلة؟ بين كاسندرا التي ضحّت بحفل فني لن يلومها أحد إن أقامته، وبين لبنانيين غير مستعدّين أن “يضحّوا” بحفل لفابيان؟

حسناً، إن عدم غناء فابيان في لبنان لن يوقف هدر الدماء في فلسطين ولن يحرّرها، ولن يبعث الأرواح البريئة التي أزهقت في مجازر صبرا وشاتيلا وقانا وحرب تموز وطيلة وجود العدو الصهيوني في لبنان واحتلاله لأراضيه… كما أنّه لن يتسبب بخسارة مادية ضخمة لفنّانة تملك رصيداً جماهيرياً واسعاً من الشهرة في كل أنحاء العالم، كـ”لارا فبيان.” ولن يغير في سياسة ديناصورات القرار العالمي التي لولاها لما بقيت إسرائيل ترتع في ديارنا وتسلبنا ثرواتنا.

قد لا يغير في واقعنا شيئاً، لكنه يعبر عن موقف مشرف للبنانيين، نعتز به أمام الرأي العام العالمي. نحن غير قادرين على تحرير القدس الشريف من أماكننا، أو تخطي التواطؤ المدبر على ثرواتنا، لكننا على الأقل نكون قد سجلنا موقفاً مشرفاً في سجلّ عالمنا العربي الذي لا يزل يئن من كبواته المستمرة. نكون قد رفضنا، قاومنا، ثقافياً. نكون قد قلنا “لا، نحن لا نقيم علاقات إيجابية مع أي داعم لعدوتنا إسرائيل”.

وإذا كان هؤلاء المثقفون أنفسهم ينادون بالمقاومة السلمية “الحضارية” لإسرائيل، أي المقاومة التفاوضية المجردة من السلاح وما شابه، كيف يندّدون بمقاومة ثقافية كهذه؟ أرجو منهم إذاً أن يكفّوا عن وضع صور تدمي القلوب عن أطفال غزة ونسائها وشيوخها على الفيسبوك والبكاء على هذا الشعب المظلوم، والتنظير عن “آليات” السلم وتلقيننا دروساً عن الانفتاح وتقبل الآخر، لأن مواقفهم باتت غير مقبولة. لأنهم أنفسهم فقدوا بوصلة الصواب والقيم والثوابت التي يجب أن يتمسكوا بها إن كانوا فعلاً معنيين بهذه القضية. أرجو منهم أن يخلعوا “الكفية” التي بقيت شعاراً عارياً عن كنه القضية، وألا يكلفوا أنفسهم مشقة النزول الى الشارع والمطالبة بكف الاقتتال في سوريا أو دعم الشعوب العربية المنقلبة، لأنهم لم يبدؤوا بإعطاء عدو الشعوب العربية الأكبر نصيبه المحق من الرفض القطعي له ولمناصريه.

المجموعة نفسها، لم نرَ لها موقفاً احتجاجياً حيال حكم القضاء اللبناني على العميد فايز كرم بالسجن سنتين فقط، دون حرمانه من حقوقه المدنية على الرغم من ثبوت تورطّه في العمالة مع العدو الاسرائيلي منذ التسعينيات. ألم يكن كرم مساهماً في زعزعة استقرار لبنان؟ ألم يسرب المعلومات لإسرائيل مسهِّلاً لها ارتكاب أفظع الجرائم بحق شعبنا؟ أم أنّ الترف الفني يهمّهم أكثر من الاستقرار الأمني في لبنان وسيادة أراضيه؟

أنا لستُ هنا بصدد تخوين هؤلاء “المثقفين”، لكن شعوري ينشغل بالخوف على هذه الفئة الغارقة في “كوما” العولمة، التي دسّت في مفاهيمها وصفات أميركية صهيونية ما هدفها البعيد سوى دفعنا الى تقبّل التطبيع مع الصهاينة.

تحت ستار “حرية التعبير الفني” و”الانفتاح على الآخر”، سُلبت هذه الفئة انتماءها الوطني والقومي وباتت تدريجياً مساقة الى التطبيع الثقافي مع العدو الاسرائيلي الذي لم يغفل خبثه الفطري في العمل على التغلل في حياتنا، وغسل عقول البعض بالمفاهيم المفبركة، للاستمرار في غسل أراضينا المنتهكة بالدماء.

أدعو لهذه المجموعات “المثقفة” أن استفيقوا، وأذكرهم أن المثقفين يتمتعون بدرجة متقدمة من الإدراك الفكري والقدرة على تحليل الخبايا، فمن غير اللائق بهم وبوطنهم أن يغشوا برسائل عاطفية تكتبها فابيان ويتبنوا معايير حقوق الانسان التي هيأها أعداؤنا لخدمة مصالحهم، وإن هم فقدوا خط الرجعة الى قيمهم الوطنية والقومية، أدعوهم للحاق بركاب “كاسندرا ويلسون” وأمثالها في أوروبا وأميركا، لعلهم يدركون كيف نقف ضد إسرائيل، فنكون أهلاً للكرامة.

مقال آخر من صحيفة هآرتس الإسرائيلية

من جهتها، أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، أن كاي تالام، المسؤول عن مسرح حولون، حاول اقناع ويلسون بعدم إلغاء الحفل؛ إلا أنها ألغته بعد أن حصلت على المبلغ المتفق عليه مقابل حفلتها.

وقال تالام “في البداية قالت أنها قرأت مؤخراً عن نية اسرائيل بشن حرب على ايران، وبالتالي فهي تخشى على سلامتها وسلامة مرافقيها. نصحتها بالتواصل مع المسؤولين الإسرائيليين والأميريكيين للتأكد إن كان هناك أية تحذيرات رسمية تنصح بعدم السفر. كما أنني أكدت لها، أن هذه التحذيرات منتشرة منذ فترة طويلة في وسائل الإعلام، حتى قبل توقيعها عقد الحفل.”

وأضاف، أن ويلسون عادت واعترفت، ان قرارها جاء من رغبة بدعم حقوق الفلسطينيين المدنية. ولم تجيب ويلسون على سؤال تالام إذا ما كانت  تدعم حقوق الفلسطينيين قبل أن يتوجهوا لها بطلب إلغاء الحفل المنتظر. كما أنها رفضت، لأسباب قانونية، ذكر اسماء المجموعات و الجهات التي تحاورت معها.

في النهاية، أضاف تالام:” أن المشكلة ليست فقط مادية، بما أن كاساندرا لم تعيد كامل المبلغ الذي قبضته، بل المشكلة هي بالأضرار التي ألحقتها بالمهرجان، وبسمعة المسرح؛ بالإضافة الى عدم قدرتنا على التعويض للجمهور..”.

للإطلاع على المقال كاملاً باللغة الإنكليزية في صحيفة هآرتس الإسرائيلية، هآرتس – 22-2-2012

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s