“تسونامي” التطبيع !!

نحن أمام مرحلة غير مسبوقة من “التغول” التطبيعي”تسونامي”،حيث نشهد تحولا نوعيا على هذا الصعيد،تحول يتمثل بنقل حالة التطبيع من المستوى الرسمي الى المستوى الشعبي،والتطبيع خطورته لا تكمن فقط في التطبيع الذي ترعاه السلطة فقط،بحكم ما كبلت به نفسها من قيود واغلال واتفاقيات وشروط،حيث الالتزامات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية وغيرها،بل الأخطر من ذلك قيام مجموعة من ما يسمى بالنخب الفكرية والثقافية والاعلامية والرياضية ..الخ الفلسطينية،ومعها العديد من منظمات “الأنجزة”،بتعميم وشرعنة التطبيع على المستوى الشعبي،وخصوصاً نقل التطبيع الى الجامعات والمدارس،حيث تجري اقامة انشطة ولقاءات ثقافية ورياضية وفنية وعلمية،حيث جرت وتجري في أكثر من مدرسة في رام الله والقدس وبيت لحم أنشطة تطبيعية،وليس أخطر من أن تقوم مدرسة في القدس بتدريس التاريخ وفق الرواية الصهيونية لطلبتنا،تحت يافطة وذريعة،تشجيع وخدمة ما يسمى ب”ثقافة” السلام وبناء الجسور المشتركة.

ومن الهام جداً أن نشير هنا الى قضية جوهرية وخطيرة،وهي أن ما يجري هو استدخال واستمرار لثقافة الهزيمة التي أرسى أسسها وقواعدها المغدور أنور السادات بعد اتفاقيات “كامب ديفيد”،ليجيء أوسلو ليعمم ويوسع هذه الثقافة ويرعاها،حيث نمت الكثير من الطحالب والأدران وعلقت في الجسد الفلسطيني،واوسلو الذي وصفه ثعلب وداهية السياسة الاسرائيلية بيريس،بأنه الانتصار الثاني لدولة الاحتلال،بعد الانتصار الأول المتحقق بقيام دولتهم على أنقاض ومآسي الشعب الفلسطيني،فتح الباب على مصراعيه لسياسة التطبيع والمطبعين،ولكي ينتقل المطبعون من الحالة السرية والتنكرية في ممارسة التطبيع بأشكاله المختلفة،الى الحالة العلنية،وليبلغ التطبيع ذروته وتجاوزه لكل الثوابت والخطوط الحمراء،بعقد لقاءات تطبيعية مع المستوطنين وجنرالات من جيش الاحتلال المتقاعدين،والعمل على إقامة ما يسمى بالاتحاد الفلسطيني- الإسرائيلي (الكونفدرالية) المزعومة ما بين الجلاد والضحية.

والمأساة هنا أن تلك النخب الفكرية والثقافية والاعلامية والرياضية،ترى في نفسها بأنها لها الحق المطلق في ان تفكر عن الشعب الفلسطيني وله،فهي ترى في نفسها بأنها سابقة عصرها في التفكير،وبأنها في الحجج والذرائع الواهية التي تتبناها وتطرحها من أجل استدخال ثقافة الهزيمة،تتعاطى مع شعبنا الفلسطيني المعطاء والمضحي على أنه مجموعة من الناس البسطاء و”السذج”،وفي هذا الاطار نمت وقامت عندنا جماعات التفكير الاستراتيجي والتفكير التكتيكي وغيرها،وبالتالي فهي ترى في أفكارها وأفعالها وممارساتها،حتى لو شكلت خروجا وتعارضاً على ومع حقوق وثوابت ومصالح الشعب الفلسطيني،حق ووجهة نظر،فهي تريد شرعنة التنازلات والتخلي والتنازل عن ثوابت الشعب الفلسطيني،بحيث يجري التعاطي مع ما حققه الاحتلال من مكتسبات بفعل العدوان كأمر واقع،في حالة قفز غير مسبوق عن جذور الصراع،وهنا نماذج جماعة جنيف،وأصحاب سياسة الحياة مفاوضات.

وهنا علينا ان نتيقظ ونتنبه ونحذر،وفي نفس الوقت نتساءل بكثير من الريبة والشك،هل هناك وراء الأكمة ما وراءها؟،ففي ظل مرحلة تشهد حالة من انسداد الافق السياسي،وفشل مريع للخيار والنهج التفاوضي،وقيام الاحتلال باستباحة الأرض الفلسطينية عبر تكثيف غير مسبوق للاستيطان في القدس والضفة الغربية،وقيام المستوطنين بأعمال العربدة والزعرنة على طول وعرض جغرافيا الوطن،وفي ظل وصف حتى حركة السلام الاسرائيلية لهذه الحكومة بأنها حكومة يمين وتطرف،نرى أن هناك نخبا ثقافية وفكرية واعلامية ورياضية فلسطينية،تتهافت من أجل شعبنة وشرعنة التطبيع،وتقوم بعقد لقاءات وأنشطة تطبيعية بكل الأشكال والمسميات،في تواتر وتكثيف غير بريئين ،وبما يؤكد بأن هناك ما وراء الكمة ما وراءها،بمعنى آخر،هذه النخب المنهارة والمنتفعة والمتاجرة بنضالات وتضحيات ودماء شعبنا،تستهدف وعي وذاكرة وثقافة شعبنا وبالذات الشباب منهم،فهي تريد أن تحدث إرباكاً وبلبلة في الشارع الفلسطيني،وتريد أن تحدث اختراقات جدية في جدار الوعي المقاوم للاحتلال وادواته وإستطالاته،بهدف القول بأن التطبيع اجتهاد ووجهة نظر،وليس خرقاً وخروجاً على الثوابت وتجاوز للخطوط الحمراء الفلسطينية.

أي نخب هذه التي تريد أن تساوي بين الجلاد والضحية؟أي نخب هذه التي تريد أن تغسل الدم عن يد القتلة؟أي نخب هذه التي تريد تخريب وعي شبابنا وطلابنا من أجل منافعها ومكاسبها وأجنداتها الخاصة،وأي اغفال و”استهبال” لهذا الشعب؟!.

ما تقوم به هذه النخب مشبوه الدور والأهداف والمقاصد والمرامي،ويجري وفق خطط وبرامج ممنهجة ومدروسة،وليس مجرد رأي او وجهة نظر لهذا الجهبذ او ذلك،ولذلك فالمجابهة لدعاة وأصحاب هذا النهج،يجب أن ترتقي الى المستوى التحدي والمسؤولية،ويجب أن تخرج عن الاطار العفوي أو مجموعة من النخب السياسية والثقافية،ومجموعات الحراك الشبابي،بل يجب أن تنتقل المجابهة الى المستوى الشعبي،وعبر إطار تنظيمي فاعل،له هيئة أركان،يرصد ويراقب ويكشف ويفضح ويعري ويجابه ويتصدى لمثل تلك الأنشطة،وكذلك العمل على نزع الغطاء والشرعية عن كل من يخطط وينسق ويشارك أو يمول مثل تلك الأنشطة التطبيعية،أو يحرض ويسمح بإقامتها وعقدها،ولا يجوز التستر أو التغطية على من يقوم بتلك الأنشطة وخصوصاً من أصحاب ما يسمون أنفسهم أصحاب المقامات العليا،وهنا يجب ان لا تكون حصانة لأحد الكبير قبل الصغير،وبالضرورة أن يصار كذلك الى حملة توعية شاملة لكل مؤسسات شعبنا الفلسطيني،بمحاصرة دعاة وأنصار هذا النهج الضار والخطير في الساحة الفلسطينية،عبر حثهم بالحوار البناء،بعدم منح هؤلاء المطبعين والمنتفعين والمقامرين بحقوق شعبنا وثوابتنا الأماكن من قاعات أو ملاعب او مسارح وغيرها لإقامة مثل هذه الأنشطة التطبيعية الضارة بمصالح وحقوق شعبنا،وهنا تبرز مسؤولية ودور المثقفين واتحاد الادباء والكتاب في التصدي ومجابهة وفضح وتعرية دعاة وأصحاب هذا النهج في الساحة الفلسطينية،على اعتبار أن المثقف يصوب بوصلة السياسي.

لم يعد يجدي القول بإدانة وإستنكار ما يجري من أعمال ولقاءات تطبيعية،بل على كل مناهضي التطبيع التكاتف والتوحد عبر إطار واحد،إطار ينتقل من مرحلة الدفاع وردات الفعل الى الهجوم المستند الى البعد الشعبي،فالعمل المبعثر والنخبوي،لن يكون مثمراً أو منجزاً،فمثل هذه القوى بما تمتلكه من إمكانيات وقدرات وتجارب وخبرات قادرة على إمتصاص وأحتواء الضربات التي توجه لها،وتدخل في مرحلة كمون متحينة الفرصة المناسبة،من أجل أن تعاود بث سمومها من جديد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s