دراسة إسرائيلية: «الربيع العربي» يقضي على التطبيع

الإمارات اليوم – 20-12-2011

بعد ظاهرة صعود الأحزاب الإسلامية إلى الحكم في دول شمال إفريقيا العربية وإمكانية تكرار هذه الظاهرة في مصر ومناطق السلطة الفلسطينية، وربما في دول عربية أخرى مجاورة، طفت على السطح علامة استفهام كبيرة على إمكانية حدوث تطبيع في العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي.

لقد وجدت فكرة التطبيع في السابق تعزيزاً رسمياً مهماً في اتفاقية السلام بين اسرائيل ومصر عام ،1979 وفي الاتفاقيات الأخرى التي رافقتها.

وعلى الرغم من أن جزءاً يسيراً من هذه الاتفاقات تم تطبيقه، وأن السلام مع مصر وصف بأنه «سلام بارد»، إلا أنه كانت لهذه الاتفاقيات أهمية، وجعلت قضية السلام جديرة بالتناول، وقد حافظ عليها نظام الرئيس (المخلوع) حسني مبارك ولم يسمح لأحد بالمساس بها.

وقد تشكلت خمس مجموعات عمل في أعقاب «مؤتمر مدريد» (1991)، وعنيت بمسائل المياه، وجودة البيئة، والتعاون الاقتصادي، وقضية اللاجئين، والرقابة على السلاح، كل ذلك شكل أيضاً مستوى مهما في تعزيز فكرة التطبيع بين إسرائيل وجيرانها العرب.

مجموعات العمل هذه، وكذا اتفاقات التطبيع مع مصر، أوجدت أيضا دليلا على العلاقة بين التقدم في المسيرة السياسية مع الفلسطينيين وبين التطبيع، وذلك لأن الجمود في هذه المسيرة، الذي بدأ عام ،1996 أدى الى تجميد نشاط مجموعات العمل هذه. كما أن البنود في اتفاقات السلام مع الأردن (1994) واتفاقات أوسلو (1993 – 1995)، التي اهتمت بإقامة العلاقات بين الشعوب، عانت من مصير مشابه.

وعلى المستوى الدولي ظهر إطاران على الأقل اعتمدا على اتفاقيات اوسلو والسلام مع الاردن، حيث أقام حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1994 إطار حوار في البحر المتوسط بين أعضاء الحلف وسبع دول (اثنتان – الأردن وموريتانيا – ليستا من البحر المتوسط لكنهما أضيفتا الى هذا الاطار)، والخمس الأخرى هي إسرائيل، المغرب، تونس، الجزائر، مصر.

كما أقام الاتحاد الاوروبي عام 1995 ما سمي بـ«مسيرة برشلونة»، المبنية على فكرة التعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية بين أعضاء الاتحاد الاوروبي والجيران الجنوبيين لحوض البحر المتوسط.

هذا الإطار عدل ووسع في 2004 مع ايجاد إطار «دول الجوار الاوروبي».

وفي عام 2008 مع اقامة «الاتحاد من أجل البحر المتوسط». وفرت هذه الأطر لقاءات حضرها وزراء، وموظفون، وخبراء وممثلو المجتمع المدني من كل دول المنطقة، بما فيها إسرائيل (ليبيا لم تكن بينها)».

يصعب الآن الافتراض بأن هذه الاطر يمكن أن تستمر قائمة، حتى على المستوى الادنى، في أعقاب التغييرات التي بدأت في دول عربية عدة. وهناك مسألة أخرى ستتضح، ألا وهي مفعول عنصر التطبيع في المعادلة الموجودة في أساس المبادرة العربية السعودية.

ومع أن هذه مسألة نظرية، ذلك لأنه في ظل غياب مسيرة سياسية اسرائيلية فلسطينية قادرة على تحقيق حل، ليس للمعادلة أي أمل في التحقق.

في المقابل، فإن البرنامج الأيديولوجي للحركات الاسلامية، وتصريحات قادتها تضع علامة استفهام حول استعدادهم للتسليم «بالوجود الصهيوني»، حتى بعد أن يتحقق الحل النهائي للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني.

تطور علاقات اسرائيل مع الاتحاد الاوروبي ومع «الناتو» منوط بقدر كبير بحل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، حتى ولو جزئياً، ولكن يمكن لإسرائيل أن تستخدم الضعف المتوقع في الاطارين المشار إليهما لغرض تحقيق مصالحها في العلاقات مع الناتو ومع الاتحاد الاوروبي، فهاتان المنظمتان ستحاولان الحفاظ على علاقاتهما الثنائية مع الدول العربية، ويحتمل أن ترغب هذه ايضا في مواصلة علاقاتها مع هاتين المنظمتين. وستواجه الدول العربية والاتحاد الاوروبي بعض العراقيل لسبببن: أولهما أنه اذا ما تم تبني تشريع في الدول التي لديها تعاون مع اوروبا والناتو، يقوم على أساس الشريعة، فإنه سيصطدم بالسعي لإقامة وتوطيد العلاقات الثنائية.

وثانيهما أن اسرائيل تشارك في الجانب المتعدد المجالات للنشاط في إطار الناتو والاتحاد الاوروبي. وحتى قبل انطلاق «الربيع العربي» أبدت بعض الدول العربية اهتماماً قليلاً في الجانب متعدد المجالات، وفي اسرائيل أيضاً تبدد سحر اللقاءات التي حضرها ممثلون لبنانيون أو سوريون، وتعزز التفضيل للتعاون الثنائي.

ويمكن القول إن رغبة الدول العربية للمشاركة في أطر تعمل فيها اسرائيل ايضا ستتراجع، وربما تتلاشى تماماً في المستقبل القريب، بينما يمكن لإسرائيل أن تستغل ذلك كي تصعد التعاون مع الناتو والاتحاد الاوروبي، ورفع مستوى علاقاتها معهما. وفي ما يتعلق بتعزيز إسرائيل لشراكتها مع الاتحاد الأوروبي فإنها قد تقابل شريكاً مفاجئاً مثل تركيا، فيما تتعالى الاصوات في تركيا التي تعبر عن الشك في جدوى انضمامها كعضو كامل في هذه المنظمة. وإسرائيل وتركيا كفيلتان بأن تجدا نفسيهما تبحثان عن نموذج لـ«شراكة ناقصة»، بمعنى مستوى علاقات منخفض عن العضوية الكاملة، ولكنه مستوى يمنح مميزات كثيرة، سواء لهما أم للاتحاد الاوروبي.

وما سبق لا يعفي إسرائيل من البحث عن حل، حتى لو جزئياً، للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني، وذلك لأن هذه مصلحتها، وغير مرتهنة بالتطبيع. وربما تدعو الحاجة الى البحث عن تعريف عملي أكثر وطموح أقل للتطبيع، فالأنظمة الجديدة في الدول العربية ستضطر الى التصدي للمشكلات الاقتصادية الصعبة والتعاون، حتى ولو كان ذلك بشكل غير مباشر أو لا يشمل علاقات بين الشعوب كفيلة بأن تكون مقبولة من جانبها.

وعلى الرغم من الانفجارات الـ10 في خط الغاز في سيناء، فإن لكل من اسرائيل ومصر مصلحة في استمرار توريد الغاز والتعاون في مجال الطاقة. كما أن احتياجات المياه في المنطقة ستلزم بالتعاون الإقليمي. وحتى في دولة يسيطر فيها «الاخوان المسلمون» لا يمكنها أن تتجاهل الحاجة للتصدي للتحديات الاقتصادية أو حقيقة أن التعاون، حتى وإن كان غير مباشر، مع إسرائيل، كفيل بأن يوفر ثماراً اقتصادية. وبالتالي يجب بحث العراقيل الناتجة عن صعود قوى سياسية في البلدان العربية لا تقبل بفكرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وينبغي أيضاً بحث الاحتمالات الناتجة هذا الوضع.

عوديد عيران رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s