كي لا تصبح مقاطعةُ العدوّ جريمة

السفير – 15-12-2011

عندما رفع جهاد المرّ دعواه الأخيرة على حملات مقاطعة إسرائيل في لبنان لم يكن يدري أنه أهدى بخطوته تلك لحركة المقاطعة زخماً إضافياً من أجل تفعيل عملها، ومن ثم فضح كذب من يزعم أن المقاطعة أصبحت سلاحاً بالياً لا يجدي نفعاً. فضارّة الاتهام الذي وجهه المرّ إلى الحملة بتسببها بخسارته ثلاث آلاف مقعد في حفل «بلاسيبو» الذي كانت دعت إلى مقاطعته، تحوّلت لنافعة، بعد أن شهدت الأسابيع التي تلت الدعوى العبثيّة ضدّ الحملة، وعقب المؤتمر التضامنيّ مع أنصار المقاطعة ومناهضة التطبيع، ازدياداً ملحوظاً في عدد وحيوية ناشطي الحملة.

«كي لا تصبح مقاطعة العدو جريمة».. عنوان جديد، في زمن عربي، يكاد ينسى أن فلسطين لا تزال محتلة، وأن إسرائيل ماضية في تأبيد احتلالها. أبصرت الحملة النور عقب مجازر جنين في ربيع عام 2002، وكانت أوّلَ مقاطعةٍ شعبيّةٍ عربيّةٍ تعتمد الأرقام والمعلومات الموثّقة التي تفضح تواطؤ شركاتٍ معيّنةٍ، من جنسيّاتٍ مختلفة، مع الكيان الإسرائيليّ، وذلك عبر معاييرَ تمّ تحديدها بما يأتي: الاستثمارُ في أحد قطاعات الاقتصاد الإسرائيليّ؛ بناءُ مصانعَ على أراضٍ مسروقةٍ من الشعب الفلسطينيّ؛ شراءُ أسهمٍ في شركاتٍ إسرائيليّة؛ فتحُ «مراكزِ أبحاثٍ وتنمية» في الكيان المذكور؛ تقديمُ دعمٍ ماليٍّ مباشرٍ إلى الصندوق القوميّ اليهوديّ المسؤول عن توطين اليهود الراغبين في السكن في فلسطين؛ رعايةُ نشاطاتٍ فنيّةٍ ورياضيّةٍ وثقافيّة وتربويّة؛ التعبيرُ علنًا عن دعم الجيش والحكومة، إلى آخره. هذا، وقد شُملت بحملة المقاطعة شركات معيّنةً موجودةً على الأراضي اللبنانيّة، وتغطّي مجالاتٍ شتّى ـ من الغذاء والدخان وألعاب الأطفال ومُعَدّات الهندسة والملابس، وصولاً إلى الأدوات المنزليّة ومستحضرات التجميل والإلكترونيّات. أما ما يحتسب للحملة، فهو ما استطاعت تحقيقه من إنجازاتٍ لا يستهان بها على صعيد نشر الوعي في صفوف بعض اللبنانيين، بين ربيع 2002 وشتاء 2005، تاريخِ اغتيال رفيق الحريري، لا في لبنان وحده بل في المحيط العربيّ كذلك. حتى ذهب أحدُ قادة مقاطعة إسرائيل في العالم، عمر البرغوثي، إلى وصفها بأنها «أولُ وأهمُّ حملةٍ شعبيّةٍ منظّمةٍ خارج فلسطين المحتلّة»…بل «قبل نداء المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ نفسِه» عام 2005 أيضًا!

مع السنوات طوّرتْ الحملة عملها لتستهدف نمطًا متزايد الخطورة، ألا وهو المهرجاناتُ الفنيّةُ التي تقام في دولة العدوّ أو تناصر العدوَّ مباشرةً. وجاء هذا التطوير انسجامًا مع نداءٍ وجّهته إلى العالم الغالبيّةُ الساحقةُ من المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ صيف عام 2005 لمقاطعة إسرائيل بسبب احتلالها وتمييزها العنصريّ ومنعِها اللاجئين الفلسطينيين من العودة. وكان قد سبق هذا النداءَ بيانٌ لـ«الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل» (باكبي بالإنكليزيّة)، التي اعتبرتْ أنّ أيّ مشاركةٍ فنيّةٍ أو ثقافيّةٍ عالميّةٍ داخل إسرائيل عملٌ متواطئٌ مع الاحتلال والجريمة الإسرائيلييْن: فهذه المشاركة تجمّل صفحة إسرائيل، بتجاهلها ـ في أحسن التقديرات ـ ما ترتكبه الحكوماتُ الإسرائيليّةُ من جرائمَ وعنصريّةٍ بذريعة أنّ «الفنّ للفنّ»، لا علاقة له بالسياسة، وكأنّ الكيان الإسرائيليّ هو محضُ حكومةٍ وجيشٍ واستخبارات، لا بِنيةٌ كاملةٌ من القمع تؤدّي فيه المؤسّساتُ السياحيّةُ والأكاديميّةُ والقانونيّةُ أدوارًا متكاملةً تعزِّز صورة إسرائيل كبلدٍ «حضاريٍّ» و«قانونيٍّ» و«مسالم». لذا، راحت حملة المقاطعة تلاحق الفنّانين القادمين إلى لبنان، ممن أحْيَوْا قبل مجيئهم إلى هنا، أو يَنوُون أن يُحْيُوا بعد ذلك المجيء، أنشطةً في الكيان الصهيونيّ و/أو يؤيّدون السياساتِ الإسرائيليّة جَهارًا نَهارًا: من جاد المالح الذي «تعاطف» مع جلعاد شاليط من دون أن ينبِسَ ببنتِ شفةٍ حِيال آلاف المعتقلين العرب في السجون الإسرائيليّة، إلى دايان كرال التي أحيتْ حفلاً في دولة الاغتصاب الصهيونيّ على الرُّغم من معرفتها بجرائمها التي دفعتْ زوجَها ألفيس كوستيللو إلى الامتناع عن إحياء حفله هناك، إلى دي دجاي تييستو، وبلاسيبو. وكان ذلك انسجامًا مع استراتيجيّة حملةٍ عالميّةٍ تأسّستْ قبل أكثر من ستّ سنوات، اسمُها حملة «بي. دي. أس»، أي «حملة مقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها». هذه الاستراتيجيّة تتلخّص في خطواتٍ بسيطةٍ لكنها مدروسةٌ بعناية: ترسل الحملة، في العادة، رسالةً إلى الفرقة المدعوّة إلى إسرائيل، فتُطْلعها على السياسات الإسرائيليّة الإجراميّة والعنصريّة تجاه الفلسطينيين في الضفّة وغزة وداخل «الخطّ الأخضر» وفي الشتات، وتخبرُها بأنّ تجاهُلَ ذلك باسم «الفنّ» تواطؤٌ مع الجريمة. ثم تعمد الحملة إلى تعميم الرسالة على أنصارها كي تشكّل رأيًا عامًّا ضاغطًا على الفرقة وعلى كلّ مَن يتلقّى دعوةً مماثلةً من إسرائيل.

والحقّ أنّ هذه الاستراتيجية، المستندةَ إلى مقاربةٍ إنسانيّةٍ وأخلاقيّة، آتت أُكْلها: فقد ألغى عشراتُ الفنّانين عروضَهم المقرّرة في الدولة الصهيونيّة، ومن بينهم ألفيس كوستيللو، وغيل سكوت ـ هيرون، وكارلوس سانتانا، استجابةً لرسائل الحملة تلك؛ بل ذهب مغنّي فرقة بينك فلويد، روجر ووترز، إلى التصريح بأنه انضمّ إلى حملة مقاطعة إسرائيل، ودعا زملاءه من الفنّانين العالميين إلى أن يحذُوا حذوَه لأنّ الصمت عن الظلم تواطؤ. هذا كان قبل مجزرة أسطول الحريّة في 31 أيّار 2010؛ أما بعدها فقد استجاب عدد أكبرُ لنداءات المقاطعة، فامتنعوا عن إحياء عروضهم في الكيان الغاصب، أمثال الفرق الموسيقيّة كلاكسونز وغوريلاز وذا بيكسيز، والمغنّية والممثلة الفرنسيّة فانيسا بارادي. كما أعلنتْ ناتاشا أطلس أنها لن تغنّي في إسرائيل «حتى يُزال الأبارتهايدُ الرسميُّ نهائيًّا»؛ بل حسمتْ أنّ مقاطعتها لإسرائيل ستكون احتجاجًا أقوى ضدّ الحكومة الإسرائيليّة من إحياء حفلٍ لمناهضي إسرائيل!
في لبنان، اعتُمدت استراتيجيّةً مماثلة إلى حدٍّ بعيدٍ للحملة العالميّة (بي دي اس)، لكنها ركّزت، في رسائلها إلى الفنّانين العالميين، على الظلم الذي ألحقته إسرائيلُ بالشعب اللبنانيّ وبالقاطنين في لبنان. ففي رسالتنا مثلاً إلى دي دجاي تييستو، قامت الحملة بعرضٍ مكثّفٍ وموثّقٍ لانتهاكات إسرائيل للقانون الدوليّ ولحقوق الإنسان في لبنان منذ عام 1948، وما سبّبتْه لمئات آلاف المدنيين من قتلٍ وجرحٍ وتهجيرٍ وأسْرٍ وسرقةٍ للمياه، فضلاً عن مواصلتها إلى اليوم احتلالَ شبعا وكفرشوبا والغجر. وتحدّثت عن شبكات العملاء، والانتهاكاتِ الدائمة لسيادة لبنان، وبقاءِ أرضِ الجنوب مليئة بالقنابل العنقوديّة التي تنفجر في أجساد أبناء الشعب. وحثت دي. دجاي. تييستو في نهاية الرسالة على ألاّ يسمحَ بتحويل فنّه إلى وسيلةٍ لتجميل صفحة جرائم هذه الدولة المارقة.

بعد مضيّ سنةٍ ونصف السنة على مؤتمر صحافيّ سبق أن عقدته الحملة في حزيران 2010 لمقاطعة فرقة بلاسيبو التي زارت كيانَ العدوّ، رفع متعهّدُ الحفلات، جهاد المرّ، دعوى على حملات مقاطعة إسرائيل في لبنان، وفي العالم، يتّهمها فيها بأنها تسبّبتْ في خسارته ثلاثةَ آلاف مقعد بسبب مؤتمر 2010 ذاك، وبسبب نشاطٍ رمزيٍّ أقامته أمام المكان الذي أحيت فيه فرقةُ بلاسيبو مهرجانَها في بيروت، ويطالبها بأن تعوّض خسارته والضررَ الذي لحق بسمعته ـ وهو الذي ينْعت نفسَه بـ«ابن العائلة المعروفة والعريقة». وللتذكير، فقد كانت بلاسيبو أحيت حفلاً في تل أبيب في 5 حزيران 2010، أيْ بعد خمسة أيّام على الهجوم الإسرائيليّ، في عُرض المياه الدوليّة، ضدّ أسطول الحريّة المتوجّهِ إلى غزّة لمساعدة المحاصرين منذ سنوات. والمعروف أنّ ذلك الهجوم أدّى إلى مقتل تسعة ناشطين سلميين، وجرحِ ثلاثةٍ وأربعين، وسَرِقةِ مساعداتٍ إنسانيّةٍ تقدّر بملايين الدولارات.
إنّ محاولة تجريم المقاطعة قانونيًّا قَدّمتْ للحملة حافزًا إضافيًّا لتفعيل عمل مقاطعة العدوّ وداعميه: إذ كَشفتْ ، أولاُ، أنّ المقاطعة سلاحٌ مؤثّر فعلاً،. كما أنّ محاولة تجريم المقاطعة قانونيّا بيّنتْ، ثانيًا، تعارُضَ نهمِ الرأسماليّة المتوحّشة مع حريّةِ التعبير، فارضةً المزيدَ من الإصرار على خوض معركة الديموقراطيّة والحريّات كجزءٍ لا يتجزّأ من معركة مقاومة التطبيع.

وتتابع الحملة مسارها عبر تشكيلُ لجنة دراساتٍ وأبحاثٍ تلاحِق كلَّ المهرجانات المزمع عقدُها في لبنان للكشفِ عمّا إذا كانت زارت الكيانَ الغاصبَ، أو تنوي زيارته، أو عَبّرتْ عن مواقفَ مؤيّدةٍ له، أو الأمورِ الثلاثةِ جميعِها. وفي هذا الصدد تبيّن أنّ آرمين فان بيورن، الذي زار «إسرائيل» مرّاتٍ عدّة، وكان آخرَها في 10 تموز2011، سيُحْيي حفلاً في 30 كانون الأول من هذا العام في قاعة البيال. من هنا يجدر تنبيه الداعين اللبنانيين إلى أنّ زيارة فان بيورن تتعارضُ مع معايير حملة المقاطعة العالميّة لإسرائيل (بي. دي. اس) لكونها تتعامل مع سياسة إسرائيل الاحتلاليّة والعنصريّة والاستيطانيّة وكأنها أمرٌ «عاديّ» و«طبيعيّ» ولا يستوجب من الفنّانين أيَّ موقف. ومن مُهمّات لجنة الدراسات أيضًا تقصّي المؤتمرات وورشِ العمل الثقافيّة والأكاديميّة والطبيّة التي يشارك فيها لبنانيون مع إسرائيليين صهاينة، أو تسهم في تمويلها جامعاتٌ أو معاهدُ إسرائيليّة.

المقاطعة آليّةٌ مقاوِمةٌ أثبتتْ نجاعتها في بلدانٍ كثيرة، أبرزُها الهندُ وجنوب أفريقيا. لكنها أيضًا وسيلةٌ لتعزيز حريّة القول والاعتراض وبناءِ الشخصيّة المدنيّة الحيّة والمتفاعلة مع هموم مجتمعها وزمنها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s