سماح إدريس يفضّل السجن على أن يدفع قرشا واحدا لمن يخرق معايير مقاطعة إسرائيل

القدس العربي، أجرى الحوار محمد ديبو، 11-11-2011

قبل عام أجريت حوارا مع الدكتور سماح إدريس بسبب دعوى قضائية رفعها عليه مستشار الرئيس العراقي فخري كريم، وكان هدفي آنذاك الوقوف ضد طغيان المال ودفاعا عن حقوق الإنسان وعن مثقف ‘غرامشي’، أما الآن، بينما يتعرض سماح لدعوى مشابهة تتعلق بمقاطعة الفرق الموسيقية التي تحيي حفلات في إسرائيل، يقوم الشعب السوري بانتفاضة تهز أسس الاستبداد، وتقوم جهات سلطوية وأخرى عربية مناصرة للاستبداد باتهام المعارضة السورية بأنها ضد قضية فلسطين.
من هنا فإن هدفي من هذه المقابلة، يغدو مزدوجا، في المقام الأول هو تأكيد على رفض التطبيع وتفعيل مقاطعة إسرائيل، عبر دعم أبرز رموز هذه المقاطعة (الدكتور سماح إدريس)، وفي المقام الثاني،والتأكيد على أن فلسطين ستبقى عنوان التحرر، وما هذه الثورات ضد الاستبداد إلا تأكيدا على أنها الخطوة الأولى نحو تحرير فلسطين.

* من دعوى فخري كريم إلى دعوى جهاد المرّ، كأنّكَ يا دكتور سماح لا تخرج من دعوى إلاّ لتدخلَ في أخرى! مَن يسعى وراء الثاني: أنتَ أمِ المشاكل؟
* لا أعتقد أنني طَلاّبُ مشاكل. ولديّ من الأعمال والهموم ما يفيض عن حيواتٍ كثيرة! أنا أؤدّي ما أعتبرُه أمراً بدهيّاً لكلّ ناشطٍ و’مثقفٍ’ معنيٍّ بالشأن العامّ، وهو أن أسعى إلى نشرِ ما يعني الناسَ ويُخْفيه المتسلّطون حمايةً لمصالحهم.
الدعوى القضائيّة الأولى جاءت بعد دعوةٍ وجّهها رئيسُ ‘دار المدى’ فخري كريم (وليّ) عام 2007 إلى مجموعةٍ من المثقّفين العرب لحضور مهرجانٍ في كردستان ـ العراق. فتناسى معظمُ هؤلاء هويّةَ هذا المهرجان، وصفةَ الداعي إليه (وهو صاحبُ أدوار سياسيّةٍ ملتبسةٍ تستدعي النقدَ الشديدَ من كلّ مناهضٍ للاحتلال الأمريكيّ للعراق وكلّ حريصٍ على ما تبقّى من سمعةٍ طيّبةٍ لليسار العربيّ). وتناسوْا ما يحصل في كردستان من ‘ديمقراطيّةٍ’ مزيّفةٍ تحت الاحتلال، ومن انتهاكٍ لحقوق المرأة والصحافيين، ومن وجودٍ لمكاتب الموساد الإسرائيليّ. فكتبتُ وقتها افتتاحيّةً موثّقةً في مجلة الآداب عام 2007 عن هذه الموضوعات، وهو ما استفزّ فخري كريم، الذي كان قد غدا في غضون تلك السنوات (وإلى الآن) مستشاراً لرئيس جمهوريّة العراق تحت الاحتلال، فادّعى عليّ، قبل أن يستنفرَ كلَّ أبواقه لاتهامي بالعمالة لصدّام حسين… و’بالعواء الكريه’!
أما الدعوى القضائيّة الثانية فمردُّها أنني، مع مجموعاتٍ شريفةٍ داخل لبنان معاديةٍ للصهيونيّة، ومنها ‘الحملةُ العالميّةُ لمقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها’ BDS، فضحْنا فرقة موسيقيّة بريطانيّة (بلاسيبو) كانت تنوي المجيءَ إلى لبنان في حزيران 2010 (وجاءت فعلاً للأسف) على أثر إحيائها حفلةً في تل أبيب. وزاد الطينَ بلّةً أنّ هذه الحفلة حصلتْ بعيْد التعرّض الإسرائيليّ الوحشيّ لأسطول الحريّة (مافي مرمرة) في عرض المياه الدوليّة ـ وهو أسطولٌ مؤلَّفٌ من ناشطين دوليين (استُشهد منهم تسعةُ أتراك) كان يرمي إلى تقديم الغذاء والدواء لأهالي قطاع غزّة المحاصرين منذ سنواتٍ عدّة. وقتها، عقدنا مؤتمراً صحافيّاً بيّنّا فيه أنّ إحياء الفرقة حفلاً في الكيان الصهيونيّ يَدْخل ضمن معايير المقاطعة التي سنّتْها الـ BDS: فإحياءُ الحفل هناك يتجاهل جرائمَ إسرائيل، ويَغْفل عن سياسة التمييز العنصريّ التي تمارسها ـ بما في ذلك منعُها اللاجئين الفلسطينيين من حقّهم في العودة إلى ديارهم. إسرائيل تريد من العالم أن يَفْصل بين سياستِها وسياحتِها؛ وأما أنصار المقاطعة فيُصرّون على ترابط الأمرين، وعلى أنّ أيّ فصلٍ بينهما يَخْدم الاحتلالَ والعنصريّةَ لا ‘الفنَّ’ ـ وهذا هو ما أقرّه كلُّ الذين ألغوْا حفلاتِهم في الكيان الصهيونيّ، من كارلوس سانتاتا إلى ناتاشا أطلس، مروراً بروجر ووترز وألفيس كوستيللو وغوريلاز وكلاكسونز وذا بيكسيز. ولذلك دعوْنا الناس في ذلك المؤتمر الصحفيّ إلى الامتناع عن حضور حفل بلاسيبو في بيروت. وأوضحنا أنّ برايان مولكو، المغنّي الأساسيّ في بلاسيبو، أيّد، في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيليّ، الهجومَ الإسرائيليّ على أسطول الحريّة، وإنْ بطريقةٍ قد تبدو متهكّمةً لدى البعض (علماً أن التهكّم في معرض الجريمة لا يخفّف من حقارة التأييد اللاأخلاقيّ). فكان أن برز لنا منظّمُ الحفل في بيروت، السيّد جهاد المرّ، بعد سنةٍ ونصف السنة من انعقاد ذلك المؤتمر، ورفع دعوى علينا بحجّة تكبيده ‘خسائرَ باهظةً’ قدّرها بثلاثة آلاف بطاقة، ثم عاد بعد سطرين فقدّرها بمئات البطاقات، قبل أن يقرّر الرقمَ السابقَ جواباً نهائيّاً (حسب مصطلح جورج قرداحي)، زاعماً في كلّ الأحوال أننا أرهبنا الجمهورَ بحملتنا ‘الكيديّة’.
في الدعوييْن، دعوى الوَليّ ودعوى المُرّ، القضيّةُ بالنسبة إليّ واحدة: إنها مسعًى واضحٌ لمنعِنا من حقّنا في التعبير، ولمنعِنا من ممارسة واجبنا ـ كأناسٍ مسؤولين تجاه مجتمعِنا وناسنا ـ عن كشفِ المستور والانتصارِ للعدالة.

* لماذا تأخّر المرّ في رفع الدعوى حتى الآن، خاصةً أنّ الحملة التي قمتم بها ضدّ بلاسيبو كانت العام الماضي؟ وهل ترى أنّ أطرافاً أخرى غير المرّ تقف خلف الأمر وساهمتْ في التحريض؟
* أنا لا أفقه بدواعي التجّار والرأسماليين الكبار. ربّما يكون المرّ يخطّط لدعوة فِرقٍ أخرى زارت ‘إسرائيل’ أو صرّحتْ بما هو أسوأ من تصريح برايان مولكو، ويريد أن يقطعَ الطريقَ علينا كي لا نحثّ الناسَ على المقاطعة من جديد. وربّما يكون قد آن اليومَ أوانُ تسديدِ ما عليه من استحقاقاتٍ ماليّة، فاكتشف الخسائرَ التي تكبّدها، سواءٌ بسبب المقاطعة أو بسبب ‘فقدان بلاسيبو بريقَه’ (بحسب مقالٍ لبشير صفير) أو لأسبابٍ أخرى.
في كلّ الأحوال، وبغضّ النظر عن ‘خسائر’ المرّ وأسبابها، فإنه كان عليه ألاّ يتورّطَ في دعوة بلاسيبو، مهيناً الشهداءَ وعوائلَهم وكلَّ داعمي مقاطعة إسرائيل. وكان عليه، في أسوأ الأحوال، أن يسحب تلك الدعوة بعد تصريح مولكو التلفزيونيّ الشهير، وأن يكتفي بالخسارة المترتّبة على تكاليف الدعاية وحجوزات الفنادق وما إلى ذلك، أسوةً بالمنظِّمين الإسرائيليين الذين تكبّدوا خسائرَ هم أيضاً من جرّاء امتناع ألفيس كوستيللو وغيرِه عن الذهاب إلى ‘إسرائيل’ بعد أيامٍ فقط من مجزرة أسطول الحريّة. إنّ خسائر المرّ، إنْ حصلت فعلاً بسبب دعوتنا الديمقراطيّة والسلميّة إلى مقاطعة بلاسيبو، هو المسؤولُ الأولُ عنها! لكنه بدلاً من سحب دعوة بلاسيبو إلى بيروت، رفع دعوى على أنصار فلسطين في لبنان وفلسطين والعالم، وانقضّ على مجلة ثقافيّة ‘مهمّة’ (باعترافه هو في مداخلةٍ هاتفيّةٍ على إذاعة ‘صوت الشعب’ قبل أسابيع)، وعلى مركزٍ للاجئين الفلسطينيين الفقراء، مطالباً إيّاهم جميعاً بدفع 180 ألف دولار!
أما عن الشقّ الثاني من السؤال، فلا أعرف إذا كانت هناك جهاتٌ أخرى دفعت المرّ أو ساهمتْ في تحريضه، ولا أتمنّى ذلك بالتأكيد. ولكنّ المهمّ أن يدرك أنّ ما فعله، عن غفلةٍ أو صحوةٍ، لا يخدم لبنانَ، بل العدوّ الإسرائيليّ، على ما جاء في بيان ‘اللجنة الوطنيّة للمقاطعة في فلسطين’ (بتاريخ 25/10/2011).

* ما حظوظ الدعوى في النجاح أمام القضاء، خاصةً أنّ المبلغ الذي يطالب به خصمُكم هو 180 ألف دولار؟ وكيف ستتدبّره؟
* أفضّل أن أُسجن على أن أدفعَ قرشاً لمن جاء بفرقةٍ خَرقتْ معاييرَ المقاطعة العالميّة لإسرائيل. ولعلّه من المفيد هنا أن أذكّر بتلك المعايير كما جاءت في بعض أدبيّات الـ BDS: ‘إنّ الدخول في علاقاتٍ توصَف باللاسياسيّة في ظروف الاضطهاد والقمع الراهنة يعبِّر، في الحقيقة، عن موقفٍ سياسيٍّ بامتياز، هو الإحجامُ المتعمّدُ عن مقاومة الاضطهاد، أو حتى التفكير فيه’.
ثم إنّ هذه الدعوى هي، أيضاً وأساساً، ضدّ حريّة التعبير التي نعضّ عليها بالنواجذ، هنا في لبنان، في وجه القمع الرسميّ العربيّ وقمع الطوائف المتخالفة والمتحالفة. فكما أنّ رجالَ الأعمال والمنتجين السينمائيين ومنتجي السلع الاستهلاكيّة يصرفون الأموالَ السخيّةَ للدعاية لمنتوجاتهم، فإنّ من حقّي ـ ضمن نطاق حريّة التعبير التي يكفلها الدستورُ اللبنانيّ ـ أن أقدِّم ‘دعايةً مضادّة.’ ثم أليس هذا ما تَسمحُ به، بل وتشجّعُه، الديمقراطيّاتُ الغربيّةُ التي يتشدّق بها المرّ؟ ألم يأتِهِ حديثُ المعترضين على الأفلام ‘المعادية للساميّة’ أو للنساء أو للمسيح (كما في الاعتصامات الكثيرة أمام دُور السينما الغربيّة التي كانت تعْرض فيلم ‘إغراءات المسيح الأخيرة’)؟ وما معنى ادّعائه، هو ومحطّة MTV التي يملكها، مناهضةَ التوتاليتاريّة العربيّة إنْ كان يريد أن يمنعنا من نشر الحقائق التي تصلنا والمواقفِ التي نعتنقها في لبنان؟

* يستند مقدّمُ الدعوى إلى معلومات تقول بأنّ قانون مقاطعة إسرائيل، الصادر بتاريخ 23/6/1955، لا تنطبق على حفلة ‘بلاسيبو’، كما يلاحظ أنّ فرقة الروك الشهيرة ‘لا تتعاطى السياسة’ كيف تردّ على ذلك؟
* لن أدخل في نطاق الشؤون القانونيّة لأنها ليست من عملي كناشط، بل من عمل المحامين. ولكنّي أعْلم أنّ هناك المئات من المحامين الذين يعتقدون أنّ القانون المذكور يعاقِب التطبيعَ الفنّيّ والثقافيّ والأكاديميّ، وإنْ لم ينصّ على ذلك بشكلٍ مباشر، لأنّ هذا التطبيع يَخدم في النهاية ‘مصلحة إسرائيل’ (والكلمتان وردتا فعلاً في نصّ هذا القانون).
والآن، كيف يَخْدم إحياءُ بلاسيبو حفلاً في تل أبيب ‘مصلحة إسرائيل’؟
يخدمها بالأشكال الآتية: 1) إخبار العالم أنّ إسرائيل بلدٌ يتمتّع بالموسيقى والحضارة والأمان والسلام بغضّ النظر عن سياسته الإباديّة والعنصريّة ضدّ السكّان الأصليين والدولِ المجاورة. 2) ترويج إسرائيل غربيّاً كمنتجَعٍ سياحيٍّ آمنٍ وممتع. 3) كسر العزلة الدوليّة شبه الخانقة التي طوّقتْها، وبخاصةٍ بعد مجزرة أسطول الحريّة، ما أدّى إلى امتناع عشرات الفرق والمثقفين والأطبّاء والنقابيين والأكاديميين في العالم عن إحياء مهرجاناتٍ أو المشاركة في مؤتمرات هناك، بل دفعتْ مشاهيرَ سينمائيين أمثال ميغ رايان وداستن هوفمان إلى الامتناع عن حضور مهرجان القدس السينمائيّ في حزيران 2010 عقب المجزرة المذكورة. 4) إنّ أيّ حفل أو مهرجان إنما يزيد من الحركة الاقتصاديّة داخل المنطقة التي يجري فيها؛ فحضورُ 7000 متفرّج إلى حفل بلاسيبو في تل أبيب (وهذا هو الرقم المعلن) أكسب منظّمي المهرجان الإسرائيليين عشرات (أو مئات) ألوف الدولارات، ونشّط حركةَ الفنادق والمطاعم والمواصلات في تل أبيب.
فإذا أضفنا تصريحَ المغنّي الأساسيّ لبلاسيبو بأنه يدعم إسرائيل ‘خاصةً إذا أردْنا ركوبَ البحر’ (في إشارةٍ خسيسةٍ ورخيصةٍ إلى مجزرة أسطول الحريّة)، اكتملتْ كلُّ دوافع مقاطعة هذه الفرقة، سواءٌ نصّ القانونُ اللبنانيُّ على ذلك بشكلٍ صريحٍ أو لم ينصّ. وأنا، في كلّ الأحوال، أدعو إلى تعزيز قانون المقاطعة لعام 1955 وإلى توضيحه بالقول إنّ ما ‘يخدم مصلحةَ إسرائيل’ لا يقتصر على التعامل التجاريّ وحده بل يشمل أيضاً ميادينَ الفنّ والسياحة والنشر والثقافة والعلوم وكلَّ ما من شأنه الإسهامُ في جعل إسرائيل الاحتلاليّة العنصريّة ‘كياناً طبيعيّاً’.

* هناك عدد من المثقفين أيّدوكم، ومنهم إلياس خوري ومريد البرغوثي. كيف ترى حركة تضامن المثقفين في هذه المعركة؟ وما فائدة هذا الأمر من الناحية العمليّة؟ ومقارنةً بمعركتك مع فخري كريم سابقاً، كيف تقيّم دور المثقفين في الوقوف بعضهم إلى جانب البعض الآخر؟
* المثقفون العرب مخيِّبون للآمال بشكل عامّ. فقد صاروا جزءاً من السلطة، أو النظامِ الطائفيّ، أو الخدر الشامل، أو البلادة الكاسحة.
هناك بعضُ المثقفين الذين وقفوا معنا، ومنهم من ذكرتَ في سؤالك. ولكنهم أقلُّ عدداً بالتأكيد من أولئك الذين ساندونا في دعوى مستشار الطالباني. وسبب ذلك هو أنّ دعوى المرّ لم تنتشرْ بعدُ إعلاميّاً انتشارَ دعوى فخري كريم، ولا شكّ عندي في أنها ستحظى بإدانةٍ لا تقلّ شدّةً وشمولاً عن هذه لأنّ عداء الشعب العربيّ للعدوّ الإسرائيليّ أقوى من أيّ عداء آخر.
ولكنّي أرى أنّ علينا أن نوسّع من مفهوم ‘المثقف’: إذ ليس المثقفُ هو مَن يكتب القصيدة أو الرواية أو المقالة أو المسرحيّة أو السيناريو فقط، ولا هو الفنّان والنحّات والمخرج… فحسب، إنما هو أيضاً، إنْ لم يكن أولاً وآخراً، كلُّ مَن يتدخّل في الشأن العامّ لينصرَ قضيّةً محقّة؛ بل رُبّ متعلّمٍ غير مثقّف، ومثقّفٍ غير متعلّم. ومن هذا المنطلق، فإنّ المتضامنين معنا في الدعوى الجديدة يبشّرون ببداية حملةٍ ممتازة: فهم يشملون سياسيين وناشطين من مختلف المشارب، وطلاباً جامعيين، ومحامين، وفنانين، وهيئاتِ ‘مجتمع مدنيّ’ فعّالة. الأهمّ أنّ التأييد لا يقتصر هذه المرّة على اللبنانيين والعرب وبعض الدوليين، بل يشمل اليوم مئاتِ الدوليين من أنصار مقاطعة إسرائيل، الذين لا أشكّ في أنهم سيَبْلغون الآلافَ خلال فترة وجيزة. وهؤلاء مثقفون بالمعنى التقليديّ المعهود (كتّاب، محامون،…) وبالمعنى الأوسع أيضاً (متدخّلون في المجال العامّ لتغييره باتجاهٍ أكثر عدالة). وكلّهم يقفون وقفةً واحدةً، من بيروت إلى واشنطن، مروراً برام الله وباريس ولندن واستوكهولم ودبلن، كي يقولوا إنّ الدعوى الموجّهة إلى أنصار المقاطعة في لبنان تنالهم هم أيضاً.

* كيف ترى أفق مقاطعة إسرائيل في ظلّ الربيع العربيّ؟ هل سيكون زوالُ هذه الأنظمة الديكتاتوريّة مفيداً لتوسيع حملة المقاطعة وتفعيلها؟ أم أنّ الأمر لن يتغيّر؟
* لا حتميّة تاريخيّة في هذه المسألة، بل الأمر يتوقّف على نوع الديمقراطيّة الذي سينبت بعد هذا الربيع العربيّ. فقد يقتصر على حريّة التجارة وحريّة التعبير، من دون أن يرتبط بأفق قوميّ وإنسانيّ معادٍ للصهيونيّة وللرأسماليّة المتوحّشة؛ وقد يكون مرتبطاً بمشروع تحرير فلسطين والتخلّص من أشكال الاستعمار الجديد. الجواب عن سؤالك، إذن، يتوقّف على استمرار الثورات العربيّة أو اقتصارها على استبدال رمزٍ برمز.
على أنني أرى، من حيث المبدأ، أنّ أيّ تطوّر نحو العدالة والكرامة داخل كلّ قطر عربيّ إنما هو خطوةٌ في اتجاه تحرير فلسطين وحريّتها. أصلاً، لن يحرِّرَ فلسطينَ إلا الأحرارُ. لا أتصوّر أنّ سجينا سوريّاً أو مضطهَداً مصريّاً يمكن أن يحرّر فلسطين! علينا أن نخوض المعركتين ـ معركةَ تحرير فلسطين من الصهيونيّة ومعركةَ تحرير الداخل العربيّ من الاستبداد والتبعيّة ـ بالتوازي والتكامل.

* سماح إدريس، أما تعبتَ من المعارك؟ هل تشعر أحياناً باليأس والخذلان بعد عودتك وحيداً إلى البيت وانفضاض المتضامنين؟ ومن أين تستمدّ عزيمتك؟
* أشعر في كثيرٍ من الأحيان باليأس والخذلان، ولكني قليلاً ما أعمل بمقياس الأمل أو التفاؤل. فلو عملتُ بمقياسهما لتوقّفتُ عن التحدّي منذ زمنٍ طويل. أفضّلُ أن أعمل بمقياس العدالة ــ وأنا في هذا لستُ وحيداً، بل أعمل مع كثيرين مازالوا يتمسّكون بفلسطين وبجذوة العدالة في صدورهم. وإذا كان غرامشي يقول ‘تشاؤمُ العقل تفاؤلُ الإرادة،’ فإني طالما أردّد ‘تشاؤمُ العقل عدالةُ القضيّة’: بمعنى أني أحارب تشاؤمَ عقلي بما أملكه من إيمانٍ بعدالة القضيّة.
من أين يأتي إيماني بعدالة القضيّة؟ يأتي في الأساس من الوفاء للشهداء والأسرى، ومن الوفاء أيضاً لكوكبةٍ جليلةٍ من المثقفين والمناضلين ــ أمثال سهيل إدريس وجورج حبش وإدوراد سعيد وسعد الله ونّوس ورئيف خوري وعبد الرحمن منيف وجوزيف سماحة. هؤلاء رحلوا، لكنّ دويّهم بقي هادراً في نفسي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s