«عمر»… يقود مقاومة من نوع آخر

القبس، حمزة عليان
عمر البرغوثي، باحث فلسطيني مستقل، وأحد مؤسسي حملة مقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها… تعريف بسيط لرجل سيحط رحاله في الكويت غدا بدعوة من لجنة «كويتيون من اجل القدس» ليتحدث عن حقوق الانسان، المقاومة السلمية طريقا للوصول الى حل اكثر عدلا للقضية الفلسطينية، يتمثل بإنشاء دولة ديموقراطية علمانية تجمع اليهود والفلسطينيين.. ولهذا كان «وجها في الاحداث».
وباختصار ايضا، وبعد قرار المحكمة الدولية عام 2004 الصادر من بلجيكا، واعتبار جدار الفصل العنصري عملا غير قانوني، اعلنت 172 منظمة اهلية في عام 2005 تمثل فلسطينيي الداخل والخارج اطلاق حملة مقاطعة اسرائيل تحت ثلاثة عناوين: مقاطعة، سحب استثمارات، فرض عقوبات، وصار اسمها BDS اي ثلاثة احرف لثلاث كلمات باللغة الانكليزية Boycott, Divestment, Sanctions.
يقولون انها نضال من نوع جديد ضد اسرائيل، حيث دارت نقاشات واسعة بعد تأسيسها، حول جدوى المقاطعة، وهل المقاطعة الاقتصادية هي الوحيدة، ام انه يمكن تجاوز ذلك الى انواع واشكال اخرى من المقاطعة، تفرض قيودا على علاقات اسرائيل السياسية والامنية والاقتصادية والعلمية والثقافية والرياضية، وعليه اعلنت عام 2010 عن حملة تحت اسم «من بيت الى بيت» لتوضح اهمية مقاطعة المنتجات الاسرائيلية، وتسليم كل بيت فلسطيني قائمة بــ 500 سلعة تنتج في المستوطنات، كان من نتائجها اغلاق 18 مصنعا إسرائيليا.
مهمته «فضح» الوجه الحقيقي للفاشية الاسرائيلية التي تمارس بأدوات ديموقراطية، وازدياد سطوة اليمين المتطرف، وهدف حملته السلمية التي يقودها منذ عام 2005 هي «مقاطعة جميع البضائع الاسرائيلية والمؤسسات المتواطئة بإدامة الاحتلال الاسرائيلي».
يرى ان «دولة علمانية ديموقراطية موحدة ضمن حدود فلسطين الانتدابية هي الحل الاعدل والاكثر انسجاما مع المعايير الاخلاقية والقانونية للنزاع المديد»… وهذه الرؤية تستوجب من وجهة نظره الإزالة الاخلاقية للاستعمار، وتتطلب حركة مقاومة فلسطينية مدنية وشعبية تعمل على انهاء ثنائية «السيد»، و«العبد»، فمن دون تلك الرؤية سيغدو النضال، كما يقول، اشبه بسفينة بلا ربّان، ومن دون المقاومة ستكون الرؤية محض فذلكة صالونات.
عمر البرغوثي وانصار حملة المقاطعة ينظرون الى اسرائيل ليس من زاوية نظام حكم يمارس الاحتلال العسكري على الفلسطنيين فقط، بل هو منظومة متكاملة ترتكب جرائم الفصل العنصري وتتعامل مع المجتمع الدولي على انها «دولة» فوق القانون. وحملة المقاطعة امتدت الى الجامعات الكندية والنمساوية والبريطانية، وكان من شأنها مقاطعة جامعة حيفا وبار ايلات من قبل الجامعات الانكليزية ومقاطعة مباريات اسرائيل والسويد في دوري التنس عام 2010 بمدينة «مالمو»، حيث اقيمت المباريات من دون جمهور وتم الحشد لنحو 5 آلاف شخص خارج القاعة.
يستندون الى دراسات وتقارير اسرائيلية يضعون فيها حركة المقاطعة BDS من ضمن المخاطر التي تواجه اسرائيل، وتسعى الى نزع الشرعية عنها وذلك للاستدلال بها، والتأكيد على ان «المقاطعة السلمية» ما زالت تملك القوة والتأثير، لأن الخطر الحقيقي، من وجهة نظر الاسرائيليين لم يعد خطرا عسكريا، بل اصبح خطر نزع الشرعية عن طريق BDS وتحويلها الى دولة منبوذة في المجتمع الدولي.
حمل اقرار الكنيست لقانون المقاطعة حافزا جديدا لعمر البرغوثي وانصاره لنجاح الحملة على المستوى العالمي، والتأييد الذي حظيت به من قبل الشعب الفلسطيني والنقابات العالمية وأقرب مثال على ذلك، قيام جامعة جوهانسبيرغ بجنوب افريقيا بقطع علاقاتها المؤسساتية مع جامعة بن غوريون بالنقب على ضوء تورط الأخيرة في انتهاكات حقوق الانسان. وكذلك مقاطعة شركة فيوليا الفرنسية المتورطة في مشروع الترام بالقدس المحتلة عقودا باهظة الثمن.
عندما أصدر الناشط الفلسطيني كتابه «المقاطعة، سحب الاستثمارات، العقوبات» باللغة الفرنسية، عام 2011 استضافه المركز الثقافي الفرنسي في رام الله، قال ان حملة المقاطعة تشمل الفلسطينيين في كل اماكن تواجدهم بما فيها الاراضي المحتلة عام 1948، وتقوم على انهاء الاضطهاد الثلاثي للشعب الفلسطيني المتمثل بالاحتلال والتمييز العنصري وحرمان اللاجئين من العودة. وعن الحملة يقول «لا تركز فقط على مقاطعة البضائع الاسرائيلية بل هي حملة شاملة لمقاطعة جميع البضائع الاسرائيلية والمؤسسات المتواطئة مع الاحتلال والأهم مقاطعة المؤسسات الأكاديمية».
عندما سئل عن جدوى حملة مقاطعة البضائع الإسرائيلية في الضفة وغزة، أجاب «الأمر مختلف تماماً، فهناك العديد من المشكلات والثغرات، فأي شعب تحت الاحتلال لا يستطيع المقاطعة الشاملة لبضائع المحتل، لأن إسرائيل دمرت السوق الفلسطينية بشكل ممنهج منذ عام 1967، ودمرت إمكانية قيام اقتصاد وطني مستقل، وأصبح الاقتصاد الفلسطيني تابعاً لها، مما زاد التبعية بعد اتفاقيتي أوسلو وباريس. ويرى أن «الالتزام الشعبي بالمقاطعة الإسرائيلية شبه كامل في العديد من المناطق الفلسطينية باستثناء مدينة رام الله وقراها التي تعتبر الأقل مقاطعة»!
حينما يعدد «الإنجازات» التي حققتها حملة المقاطعة يتوقف كثيراً أمام النجاح الذي حصل مع تصفية أكبر الشركات الإسرائيلية، وتدعى كارمن أغريكو والمتخصصة في تصدير المنتجات الزراعية والمملوكة بالنصف للحكومة الإسرائيلية، وإن لم يقلل من أهمية المقاطعات الثقافية والفنية، وتنامي أعداد الفنانين العالميين الذين يلغون حفلاتهم في إسرائيل.
خاض معارك قاسية مع شخصيات يهودية وصفوا حملة المقاطعة بأنها «هراء» و«سخف»، خصوصاً بعد انضمام يهود إليها وفي الوسط الإسرائيلي، ولكنه في المقابل لم يحظ بتأييد السلطة الفلسطينية ودعمها التي لم تتبن حملته، بحسب ادعائه.
كان أحد مؤسسي الحملة، وبالتالي فهي ليست فكرته وحده، ما يميز عملهم في الحملة هو الجماعية، فهي تحظى بتأييد الأغلبية الساحقة في المجتمع الفلسطيني في الوطن والشتات، وأهم ما فيها أنها تعبر عن حقوق الشعب الفلسطيني برمته، بعكس الخطاب السياسي السائد منذ توقيع اتفاقية أوسلو الذي يختزل الشعب الفلسطيني بسكان الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة وحسب، مع إهمال متكرر للاجئين الفلسطينيين، وهم الأغلبية، وإهمال دائم لفلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948، الذين أصبحوا قسراً يحملون الجنسية الإسرائيلية.
تعتمد حملة المقاطعة BDS على حلفاء كثر في شتى أنحاء العالم، كما قامت بعض المؤسسات والحملات الإسرائيلية بالانضمام إليها، وتبني مطالبها الثلاثة بالكامل، ومنها حملة «مقاطعة إسرائيل من الداخل» و«تحالف النساء للسلام» وغيرهما، نجحت الحملة في الحصول على تأييد بعض النقابات العالمية في جنوب افريقيا وبريطانيا وايرلندا وكندا والنرويج والبرازيل وغيرها. فاتحاد النقابات البرازيلي وحده يمثل أكثر من 22 مليون عامل، أما اتحاد النقايات البريطاني فيمثل 6.5 ملايين عامل، وكلاهما يؤيد المقاطعة والنجاح انسحب على حلفاء الحملة منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة المحتل والمحاصر، تحقيق اختراقات في مجال المقاطعة الثقافية، حيث قام بعض أشهر الفنانين والفرق الفنية العالمية بالالتزام بمعايير المقاطعة والغاء حفلات وأنشطة كانت مقررة في تل أبيب وغيرها. كما اتسع نطاق الحملة ليصل إلى الأكاديميين، حيث انتشرت حملات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في بلدان عدة، بالذات بريطانيا. أما على الصعيد الاقتصادي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد نجحت في إقناع صندوق التقاعد النرويجي الضخم ومثيله السويدي بسحب الاستثمار من شركات إسرائيلية متورطة في انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي. وفي الضغط على الحكومة الألمانية لتنهي مشاركة شركة القطارات الألمانية، دويتشه بان، التابعة لها في مشروع إسرائيلي يخالف القانون الدولي، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.
أعدّ بحثا سياسيا عام 1983، عندما كان طالبا جامعيا في جامعة كولومبيا في نيويورك، توصل فيه الى ان السبب الاهم الذي منع افناء وابادة السكان الفلسطينيين هو انه ينتمي الى امة عربية تتمتع بصفات محددة تعوق ذلك. وبما انه يمثل جزءا من امة تمتلك ثروات وموقعا استراتيجيا صعب على اسرائيل تهجيرهم كليا او قتلهم جماعيا لما قد يترتب على ذلك من عدم استقرار خطير يهدد مصالح الدول المهيمنة، في حين ارتكبت في رواندا مجازر ضد حوالي مليون شخص في الحقبة عينها.

ان ربط قضايا الحريات والديموقراطية – وفق رأيه – وانهاء نظم التبعية للغرب، مرتبط عضويا وديالكتيكيا بقضية فلسطين. يجب عدم الفصل التعسفي بين هذه القضايا جميعها لمصلحة اي منهما. فلن ينال شعب فلسطين حقوقه وحريته من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ما بقيت الشعوب العربية مغيبة بهمّ الخبز والكرامة واتقاء شر المخابرات القمعية من المحيط الى الخليج. لا بد ان تجسد الوحدة العضوية – حقا – في ميادين النضال، لا في الشعارات.

يتساءل عمر البرغوثي: أيعقل ان تكسب الشركة التي تساهم في مشروع الترام الاسرائيلي، الساعي الى ربط المستعمرات في القدس بهدف تهويدها، عقداً في احدى دول الخليج العربي، خصوصا شركتي فيوليا وألستوم الفرنسيتين المتورطتين في المشروع الاسرائيلي؟! فلماذا يبحث مجلس التعاون الخليجي عروضا مقدمة من تلك الشركات للمشاركة في مشروع ضخم لربط دول المجلس بالقطارات؟ ولماذا تكسب شركات عالمية متورطة في الاستيطان عقودا مجزية في المغرب ومصر وتونس والامارات والكويت وقطر وغيرها؟ لماذا تسمح دول مجلس التعاون الخليجي للجامعات الاميركية المقامة على اراضيها بتكريس التطبيع مع الاسرائيليين والمؤسسات الاسرائيلية؟ الا تشكل هذه، وكثير مثلها، اهدافا واقعية لحملات مقاطعة عربية شعبية تضغط على صُناع القرار؟!

السيرة الذاتية
• عمر صالح البرغوثي.
• مواليد 1964، ولد في قطر ونشأ في مصر وانتقل الى رام الله في الضفة الغربية بفلسطين.
• يحمل شهادتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية من جامعة كولومبيا في نيويورك، يعمل للحصول على شهادة الماجستير في الفلسفة من جامعة تل أبيب.
• صدر له عن دار نشر هايماركت كتاب «المقاطعة، سحب الاستثمارات، فرض العقوبات».
• باحث فلسطيني مستقل وناشط في مجال حقوق الإنسان.
• أحد مؤسسي الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل وحملة المجتمع المدني الفلسطيني من أجل مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها B.D.S.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s