رد على رد سفارة فلسطين في جنوب أفريقيا

28 اّب 2011، بقلم: د. حيدر عيد

قامت سفارة فلسطين في جمهورية جنوب أفريقيا، مشكورة، بالرد على مقالتي المعنونة على صيغة سؤال، (لماذا تعمل السفارة الفلسطينية في جنوب لأفريقيا ضد المقاطعة؟). و بداية لابد من توجيه الشكرللسفارة على اقتطاعها الوقت المطلوب للرد، وهذا شيء لم نتعود عليه من قبل سفاراتنا! وعلي أن أعترف أيضا أنني كنت فور قراءة المقدمة الجميلة على وشك أن أتسرع و أعلن سعادتي بسبب التلميح الواضح في هذه المقدمة بأن ما (اتهمته) مقالتي للسفارة عار عن الصحة، وأنه مبني على (افتراض) غير صحيح! بل أنني فكرت بكتابة اعتذار عن (سوء الظن) و(اتهام) السفارة بشيء لم يحصل.

ولكن ما هي (التهمة)؟

بمجرد الانتهاء من قراءة المقدمة، الجيدة بنيويا، لرد السفارة، والاقتباس الخارج عن السياق من الكواكبي، للدفاع عما اعتبره الكاتب العزيز (اتهام في غير محله)، أغرتني المقالة، بخاتمتها، أن أقتبس من الشاعر المعاصر، د. جمال محجوب:
يا رب حزين أنا بينهم،
وأنا منهم ومش منهم!

ولنبدأ بالتعامل مع الحقائق، بناء على طلب السفارة. والحقيقة الواضحة التي تقر بها مقالة السفارة هي أن اللقاء بين الوفد (الطلابي) الاسرائيلي، والذي، وحسب اقرار السفارة أيضا، يشمل في عضويته جنودا خدموا في جيش الاحتلال خلال مجزرة غزة، والسفير الفلسطيني قد تم!  اذا المشكلة ليست في لقاء الوفد الاسرائيلي، حسب رد السفارة، بل أن المشكلة هي، كما يتضح من كل من مقالتي السابقة ورد السفارة، في منطق المقاطعة أساسا! وبالتالي يصبح هذا الحوار، والذي أتمنى بأن يتسع ليشمل أطرافا أخرى مؤثرة، عبارة عن مناظرة بين الأساس المبدئي للمقاطعة وأعمدتها من ناحية، وبين مبدأ (الحوار) بين (الطرفين) وما يمكن أن نسميه بالتطبيع. وحتى يكون الكلام علميا، ولا يفتقر( لمقومات البحث العلمي)، كما اتهمت مقالتي السابقة بغير حق، علينا الرجوع لتعريف التطبيع كما اتفق عليه من قبل الغالبية الساحقة من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، وتم اعتماده من قبل لجنة المقاطعة الوطنية التي تمثل كل الطيف السياسي الفلسطيني:
“التطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم للجمع (سواء بشكل مباشر أو غبر مباشر) بين فلسطينيين (و-أو عرب) واسرائيليين (افراد كانوا أم مؤسسات) ولا يهدف صراحة الى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني…” (يمكن الرجوع للتعريف بالتطبيع وبنوده لصفحة الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية)

ومن هذا المنطلق تحاول حملة المقاطعة الفلسطينية، وبنجاح كبير مشهود له على الصعيد العالمي، توجيه طاقاتها نحو تعزيز مفهوم المقاطعة كأسلوب مقاومة لاعنفي، مدني نجح في أكثر من دولة محتلة، وبالذات ضد نظام الأبارتهيد البغيض. وما تصريحات قادة أسرائيل من نتانياهو الى ايهود باراك وبن اليعيزر وحتى شمعون بيريز، وتقرير مؤسسة “ريوت” الاسرائيلية المقدم لمؤتمر هرتسيليا قبل عامين، والذي لا شك أن السفارة على علم به لأهميته، الا دليل لا يمكن انكاره على أهمية الزخم المتنامي للحملة.

ومن الواضح من رد السفارة انه قد تم انتهاك المبادئ التوجيهية الفلسطينية للمقاطعة حيث أن اللقاء قد تم في سفارة فلسطين(!) في بريتوريا، وأنه قد تم التأكيد للوفد أن المجموعات الجنوب أفريقية التي دعت لمقاطعة الوفد (بالأحرى أنها استجابت لنداء الطلاب الفلسطينيين) غير مدعومة من قبل السفارة، وأنها لا تمثل وجهة نظر السلطة الفلسطينية التي ترفض مفهوم المقاطعة وتتبنى مبدأ (الحوار). وهذا حسب صحيفة (جويش ريبورت الجنوب أفريقية 26.8-2.9). وبالطبع قد تعتير السفارة هذه الصحيفة صفراء ومغرضة ولا يعتمد عليها. لماذا اذا لا تقوم السفارة بالنفي وباللغة الأنجليزية، كما ردت علينا، وحتى رفع قضية على هذه الصحيفة في ج. أفريقيا؟ وهل السفارة تنفي بالمطلق ما قيل خلال اللقاء الذي سجل و بث على القناة الثانية الاسرائيلية عبر فيديو سجل نفس التصريحات؟ وهل الخطأ هو بالرجوع  للقناة الاسرائيلية، كما تم اتهامنا، أم في مضمون ما قيل؟ وماذا عن تقرير صحيفة فوفوزيلا؟ والحل بسيط مرة أخرى: النفي بتصريح باللغة الانجليزية والاعلان عن التزام سفارتنا بمبادئ المقاطعة كما أقرتها اللجنة الوطنية.

وعودة لتعريف التطبيع و المبادئ التوجيهية التي وضعتها  الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لاسرائيل، فان أحد البنود ينص صراحة على عدم الجمع بين اسرائيليين وفلسطينيين في محافل تهدف الى (بناء جسور). وتستند كل هذه الجهود الحوارية على فرضية أن (النزاع) هو نتاج (سوء فهم) وكراهية بين (الطرفين) وأن الحل يكمن في الجمع بينهما في جلسات (حوار) للوصول الى (تفاهم متبادل) وصولا للسلام المنشود. والمشكلة الخطيرة في هذا المنطق الذي يبرر هكذا لقاءات أنها تغطي، بعلم أو بدونه، على جرائم اسرائيل وانتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي من خلال خلق الانطباع الزائف بأن هناك سلام، ومن خلال خلق تماثل خادع بين المستعمر (بكسر الهاء) والمستعمر دون أي اهتمام بالحد الأدنى لمتطلبات العدالة واحترام القانون الدولي.

وفي هذا السياق أجد نفسي مضطرا، مرة أخرى، للتذكير بأن المجتمع المدني الفلسطيني، وقواه الوطنية والاسلامية، كانت قد تبنت بالاجماع حملة مقاطعة اسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها حتى تنفذ قرارات الشرعية الدولية وتلتزم بالقانون الدولي. وفي حدود علمي فان هناك رفض هائل للتطبيع في المجتمع الفلسطيني من خلال التزام كل قطاعاته تقريبا بنداء المقاطعة.

وأنا أتفق كليا مع كاتب الرد الأستاذ تامر المصري بأن المسألة (تقتضي حكماء) للفصل والاجابة عن السؤال.  وبما أن رد السفارة يعترف بأن اللقاء قد تم، فانه على (الحكماء) أن يفصلوا ان كان هذا اللقاء يعتبر فعلا تطبيعيا أم لا؟ وهل تحامل الوفد (الطلابي) على السفارة يتطلب أن يتم اللقاء (لتوضيح الأمور) وأن السفارة (لا تمول حملات المقاطعة ضد الجامعات الاسرائيلية؟) وهل هذه تهمة أم شرف؟ وهل (عدم شك السفارة من أن الوفد مدعوم من مؤسسات رسمية اسرائيلية) غير كاف لمقاطعته، ان لم نقل العمل على هكذا دعوة و دعم المجموعات الج.أفريقية التي لم تفعل سوى الاستجابة لنداء الطلاب الفلسطينيين؟ وهل علينا أن نصدق (التهمة) الاسرائيلية أن هذه المجموعات كانت (مسلحة بأدوات حادة لايقاع الضرر الجسدي واحداث الاصابات؟) ولكن السؤال ما هو علاقة السفارة بذلك، وان افترضنا حصوله، مع عدم وجود دليل واحد على ذلك؟!

ان نفي أنه كان هناك دعوة من السفارة للوفد، ثم التأكيد أن اللقاء قد تم من خلال تنسيق احدى الصحافيات، لا ينفي (تهمة) أن اللقاء جاء مخالفا لقرارات اللجنة الوطنية للمقاطعة.

أما بالنسبة للمصادر التي تم الاعتماد عليها، فمن الواضح أن قراء السفارة انتقائية! فلم تكن القناة الثانية الاسرائيلية هي المصدر الوحيد. بل أن الاقتباس جاء مباشرة من الفيديو المصور، بدون اذن السفارة،  وليس من تعليق القناة التلفزيونية.

ولكن من الواضح أننا على توافق من أنه من الضروري التعلم من النضال ضد نظام الأبارتهيد وأن المقارنة بين نظام الأبارتهيد واسرائيل في غاية الأهمية. وهنا أطرح سؤالا ضروريا: هل كان روني كاسرلز، أو قادر أسمال، على صعيد المثال، سيقبلان بمقابلة ممثلين عن طلاب أفريكانز بيض شاركوا في جرائم ضد أبناء شعبهم في الستينيات و السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي؟ ومرة أخرى فلنلجأ للحكماء للاجابة عن هذا السؤال! والحقيقية أنني لم أفهم تبرير السفارة للقاء سوى انه للدفاع  ضد التهم الموجهة اليها من قبل الوفد (الطلابي) وتوضيح أنها لا تمول حملات المقاطعةّ!

ان أي لقاء يتجاهل التفرقة العنصرية كسبب رئيسي للصراع كان مرفوضا، وبالمطلق، من قبل الجبهة الديمقرطية المتحدة بقيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي لأن هكذا لقاءات، كما جادل نشطاء المقاطعة في ج.أ ابان الفصل العنصري، كانت تساهم في تبييض جرائم نظام الأبارتهيد. ولا شك أن نشطاء المقاطعة في فلسطين، والذين يتهمهم رد السفارة، بغير حق، بأنهم غير منصفين ولا يعملون على التواصل معها، يرون أن هذا ليس بالوقت المناسب على الاطلاق أن يقوم طرف فلسطيني بالمساعدة في جهود الدعاية الاسرائيلية (الهسبراة)، واظهار نشطاء المقاطعة و كأنهم (أعداء للسلام)، حيث يتم استغلال أي طرف فلسطيني، سواء بعلم أو بدونه، كورقة تين.

وللتعريف بمنطق المقاطعة فانه يقوم على أساس الحق الأخلاقي للمضطهد (بفتح الهاء) بمقاومة المضطهد، والطلب من المجتمع الدولي  التدخل لصالح الأول في حالة وجود هوة هائلة بين الطرفين من ناحية العتاد والقوة العسكرية…الخ. ان (الحوار) لم يثيت تاريخيا أنه نجح في اقناع أي مستعمر بالتخلي عن امتيازاته. وفي حدود علمي فان المقاومة المدنية الفعالة والأخلاقية، وبالذات المقاطعة التي تعتمد على وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته من خلال الضغط على المحتل الغاشم، هي أنجع الطرق لانهاء القمع الاسرائيلي المركب. وفي هذا السياق فانني لا أعتقد أن حملة طلاب فلسطين للمقاطعة الأكاديمية لاسرائيل، مدعومة من قبل الحملة الأم، الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لاسرائيل واللجنة الوطنية للمقاطعة، كانت على خطأ حينما طالبت بمقاطعة الوفد الاسرائيلي الدعائي.

لا شك، أيضا، أن التبرير الذي جاء في سياق رد السفارة يضعها في موقف دفاعي عن تهمة لا يجب عليها أن تهدر وقتها في مواجهتها. والحل ليس بالهجوم على نشطاء المقاطعة واتهامهم بعدم الرجوع للسفارة، فهذه قضية رأي عام! وان كنا نود أيضا أن ترجع السفارة نفسها لقرارات اللجنة الوطنية للمقاطعة حيث يتطلب ذلك فقط زيارة الموقع الالكتروني للجنة..!

وأخيرا، أنا لا أفهم تهمة الخلط بين الشخصي والعام..! ما هو الشخصي في مقالة تحاول التعامل مع قضية رأي عام لشعب يعاني اضطهاد مركب؟ وهل الاعتراض على مقابلة وفد جاء لتبرير جرائم حرب ارتكبتها اسرائيل شخصي؟ وهل الدفاع عن موقف رفاقنا في لجان التضامن والمقاطعة في ج.أ شخصي؟ وألا يتعدى مهمة أي سفارة في العالم الشخصي الى المصلحة العامة؟ وهل الدفاع عن موقف كان متخذا من قبل القوى المناهضة للتفرقة العنصرية بانه (لا مكان لعلاقات طبيعية في ظروف غير طبيعية)، للدفاع عن منطق المقاطعة عليه خلاف؟

وللمرة الثالثة أكرر ما قاله الأخ العزيز تامر، فلنلجأ للحكماء..!
* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة.

Advertisements

One response to “رد على رد سفارة فلسطين في جنوب أفريقيا

  1. اخى الدكتور لا تنتظر من تامر المصري او بالاحرى القلم مسبق الدفع سوى الدفاع عن اى شخص توجد لديه مصلحة شخصية يريد تامر تحقيقها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s