أفكار حول التطبيع

القدس – السبت مارس 26 2011 – رفعت عودة قسيس

أي شخص لديه أي اطلاع على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا بد وأن يتعرض لبعض الكلمات المتكررة والعبارات التي تنسج من واقع الصراع كالخيوط في الثياب – أو التي تنتشر حوله كانتشار الألعاب النارية حول الساحات- الأمر الذي أدى بهذه الكلمات بأن تصبح علامات وإشارات وأحكام تكتب وتحكى في كل زمان ومكان ولكن لم تعطى تعريفا واضحا في بعض الأحيان على الرغم من كونها من بين أهم الأفكار التي تفهم بشكل صحيح.

إحدى هذه الكلمات هي التطبيع. ما الذي تعنيه الجهات الفاعلة في النضال الفلسطيني من أجل تحقيق سلام عادل عند استخدامها لهذا المصطلح وما هي الأسباب الكامنة وراء رفض العمل مع أي أفراد أو مجموعات بسبب مواقف أو تصرفات “تطبيعية” ولماذا التطبيع يلحق الضرر بتحقيق العدالة؟

لتوضيح هذا الهدف – تحقيق العدالة – من المهم أيضا توضيح مفهوم التطبيع. أود أن أبدأ بتعريف بسيط ومباشر للتطبيع كما جاء في المؤتمر الأول لحملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها الذي عقد في رام الله في تشرين الثاني من عام 2007:

“التطبيع يعني المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط محلي أو دولي مصمم خصيصا للجمع بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين بشكل مباشر أو غير مباشر على شكل أفراد أو مؤسسات لا يهدف صراحة إلى فضح الاحتلال ومقاومته وفضح جميع أشكال التمييز والقمع ضد الشعب الفلسطيني.”

يمكن لهذا التعريف أن يتخذ أشكالا عديدة في الحياة اليومية من بينها ما تم تعريفه بإيجاز في الوثيقة الصادرة عن مركز العمل التنموي – معا في مدينة رام الله.

يشمل التطبيع:

1. المشاريع التي لا توافق على الحقوق غير القابلة للتصرف للفلسطينيين بموجب القانون الدولي وشروط تحقيق العدالة.

2. المشاريع التي تعني ضمنا مساواة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في تحمل المسؤولية عن الصراع أو التي تدعي تحقيق السلام من خلال الحوار والتفاهم وزيادة التعاون بين الجانبين دون تحقيق للعدالة.

3. المشاريع التي تخفي واقع الشعب الفلسطيني كونه ضحية للمشروع الاستعماري الإسرائيلي.

4. المشاريع التي ترفض أو تتجاهل أو تضعف حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحقه في العودة والتعويض وفقا لقرار الأمم المتحدة رقم 194.

5. المشاريع التي تدعمها مؤسسات إسرائيلية أو داخلة في شراكة معها لا تعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو المشاريع التي تتلقى دعم أو تمويل (جزئي أو كلي) من الحكومة الإسرائيلية كالمهرجانات السينمائية والمعارض الفنية وتكنولوجيا المعلومات، الخ.

أنا شخصيا أعتبر النوع الثاني من التطبيع – المشاريع التي تعني ضمنا مساواة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في تحمل المسؤولية عن الصراع أو التي تدعي تحقيق السلام من خلال الحوار والتفاهم وزيادة التعاون بين الجانبين دون تحقيق العدالة – هو من أهم أنواع التطبيع الذي يحتاج منا فهما ودراية لأنه في الواقع الأكثر دهاء وشيوعا وأكثرها قابلية للتخفي تحت غطاء النوايا الحسنة وبالتالي أكثرها صعوبة في التصدي لها ومقاومتها.

عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي، فإن السياسيين ليسوا الوحيدين الذين يقعون في فخ التطبيع وإنما أيضا الصحف والقنوات الفضائية والسينمائيين والفنانين والمغنيين وحتى الناس العاديين الذين يتحدثون في السياسة أثناء تناولهم للعشاء. اللغة المستخدمة هي أيضا تساهم في التطبيع كون التطبيع هو عملية وغريزة وسرد يحيد ما لا يمكن أبدا أن يكون محايدا ويحول أكثر من ستة عقود من الحكم العسكري المؤسساتي الإسرائيلي إلى مشاحنة أبدية غير قابلة للتقويم بين مجموعتين من الناس “لا يستطيعون التفاهم فيما بينهم.”

ليت الفلسطينيون يتوقفون عن إلقاء الحجارة! ليت الإسرائيليون يوقفون بناء المستوطنات فقط لبضعة أسابيع! عندئذ يمكننا بدأ الحوار، ويكون تحقيق السلام قاب قوسين أو أدنى. هذا هو الاعتقاد الذي يبطن التطبيع في أعظم معانيه. دعونا نتفاوض! دعونا نرسل فرقا موسيقية إلى تل أبيب طالما أن الأخيرة ترسل لنا فرقا موسيقية! دعونا نرسل أطفالنا إلى مخيمات صيفية للسلام إلى الولايات المتحدة! دعونا نفعل كل ما بوسعنا فعله لترويض الغضب وتسوية كل الموازين والمقاييس بالقوة لإخضاع الإسرائيليين والفلسطينيين (مدنيين وسياسيين وموسيقيي الجاز وأيا ما كانوا) “للحوار” الذي يتجاهل حقيقة أن المدنيين الفلسطينيين يحيون دون حقوق الإنسان الأساسية وأن الساسة الفلسطينيين لا يمثلون أي دولة فعلية وأن موسيقار الجاز الفلسطيني لا يستطيع عبور الحاجز الذي يختاره للعبور للعزف حيثما يشاء.

وكما يقال فقط هم الرجال الأحرار من يمكنهم التفاوض لكن التطبيع يقودهم إلى التفاوض على أي حال.

لا بد لي أن أؤكد مرة أخرى على أهمية اللغة في جميع السياقات عندما يتعلق الأمر بالتطبيع على الصعيد السياسي وبشكل غير علني. فالتطبيع بشكله الأكثر وحشية هو ما حول العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في أواخر 2008 وأوائل 2009 والتي أسفرت عن مقتل 1400 فلسطينيا معظمهم من المدنيين وبينهم أكثر من 300 طفل من مجزرة إلى “حرب”. التطبيع هو ما حول جدار الفصل العنصري إلى “سياج أمني”. التطبيع هو ما حول 99 نقطة تفتيش عسكرية دائمة معظمها يقع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وليس على الحدود إلى “مناطق عبور” لا أكثر ولا أقل. التطبيع في شكله الأقل عدوانية هو ما حول “الاستعمار” إلى “إجحاف” هو ما حول “الاحتلال” إلى “تمييز عنصري”.

هذا أمر بالغ الأهمية ألا وهو أن التطبيع يمنعنا من تسمية الأشياء بأسمائها، يمنعنا من تعريف واقعنا على ما هو عليه. إن لم نستطع فعل ذلك، عندئذ نكون قد خسرنا ووقعنا في متاهات الضياع.

لهذا، ولتسمية الأشياء بأسمائها وإنكار من ينكر علينا حقوقنا والمطالبة بهذه الحقوق، علينا نحن منظمات المجتمع المدني الفلسطيني بشكل خاص والفلسطينيين بشكل عام رفض المشاركة في هذه العملية التي تقلل من شأننا، أي رفض المشاركة في الأنشطة أو علاقات التعاون مع مجموعات أو أفراد تساهم في إدامة أفعال التطبيع أو أجوائه. يكمن أحد المظاهر الهامة لهذه الفلسفة في حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها والتي هي بحكم تعريفها نضال وكفاح ضد التطبيع. أود التوسع في الحديث عن هذه الحملة ضمن سياق أهمية هذه الحملة في معارضة التطبيع والانتقادات التي غالبا ما تواجهها مثل هذه الحملات.

تدعو الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها إلى مقاطعة ورفض التطبيع مع مجموعة كاملة من المظالم التي ترتكبها دولة إسرائيل ضد الفلسطينيين بما في ذلك فرض قيود على مجمل حقوقنا ليس فقط تلك التي يمكن أن تمارس في محكمة أو في صناديق الاقتراع وإنما تلك التي تؤثر على اقتصادنا وتعليمنا وتنقلاتنا ولغتنا وصحتنا وأملنا وبهذا تساهم في تفتيت المجتمعات والأرواح الفلسطينية اقتصاديا وجغرافيا وسياسيا واجتماعيا وروحيا ونفسيا. لا يوجد شيء طبيعي في كل هذا لأن رفض الظلم وعدم المساواة بالقول فقط مع الاستمرار في تمويل الشركات الإسرائيلية أو شراء المنتجات الإسرائيلية أو المشاركة في حفل موسيقي في قاعة إسرائيلية لأن هذا يبدو مريحا من الناحية اللوجستية أو غير معقد من الناحية الأخلاقية يفقد الجوهر الحقيقي للصراع. وهنا يأتي دور الحملة لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها في التذكير بأن الاحتلال الإسرائيلي هو نظام ضخم وغاية في التعقيد يمكن تغييره برفض دعمه، أي برفض التطبيع معه.

يوجد هناك قدر كبير من الانزعاج والارتباك حول تكتيكات ونوايا مناهضة التطبيع سواء داخل المجتمع الإسرائيلي وحول العالم، فكثير من الناس تجد أن حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها من بين حملات أخرى ما هي إلا حملة “غير متوازنة” أو مفرطة في العقاب ويعتقد الكثيرون أن على الفلسطينيين “الحوار” مع الإسرائيليين حول ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة لأن المشكلة في اعتقادهم تكمن في نقص المعلومات والتفاهم المتبادل ويعتقد الكثيرون أن نهج “ايجابي” يمكن أن يفي بالغرض على عكس الحملة لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها.

هذه مطالبات متعالية وغير فعالة ناهيك عن كونها لا تمت للموضوع بصلة. لا يوجد شيء “ايجابي” في ثلاثة وستين عاما من مصادرة الأراضي والطرد والعنف العسكري وانتهاكات منظمة لحقوق الإنسان. ليس هناك أي شيء “ايجابي” في الطريقة التي تستجيب فيها دولة إسرائيل للمعارضة: اعتقالات مستهدفة ووحشية عسكرية ضد الاحتجاجات السلمية وإدراج منظمات حقوق الإنسان على القائمة السوداء وإبعاد الناشطين. بالتالي من المستحيل إجراء “حوار متوازن” في مكان لا يوجد فيه توازن بل يغلب عليه صمت قسري. باختصار فإنه من السخف ومن المهانة بمكان الدعوة إلى “مشاركة إيجابية” مع دولة الفصل العنصري و”إقناعها” بأن تكون أكثر تعاطفا مع الشعب الذي تحتله، وتفسير الهدف النهائي على أنه تحقيق “تفاهم متبادل” بدلا من وضع حد للقمع والظلم.

إذن في النهاية فإن حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها هي السبيل الوحيد أمام المجتمع الإسرائيلي – والعالم بأسره – لمعرفة والوقوف على ما تقوم به حكومتهم في فلسطين. وبالتالي تقع على عاتقنا كفلسطينيين وإسرائيليين مسؤوليات جماعية وشخصية تجاه الحقيقة من خلال مقاومة التطبيع الذي هو أحد مظاهر هذه المسؤوليات كونه مقاومة سلمية قوية وتضامن إنساني وتكتيك وهدف بحد ذاته.

في النهاية دعونا نتذكر أن الحياة الطبيعية دون صدق هي حياة لا معنى لها وأن التعاون لا معنى له دون إحقاق العدالة. دعونا نبدي اهتماما عميقا بقدراتنا على التغيير ورفض تقويض أنفسنا والتقليل من شأننا وكذلك الاهتمام ببعضنا البعض على طول الطريق.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s