معوّقات مقاطعة داعمي «إسرائيل» في لبنان

سماح إدريس، ملحق فلسطين في جريدة السفير، العدد 11 – الثلاثاء 15 آذار 2011

هذه المقالة غير مبنية على تنظير مجرد، بل نتاج عمل خضته مع رفاق آخرين في الساحتين اللبنانية والعربية، وما زلت أخوضه وإن بعزيمة أوهن بسبب معوّقات كثيرة ستكون هي موضوع السطور الآتية.
جرف الأراضي
أول معوّقات عمل المقاطعة في لبنان هو عدم وجود «ثقافة مقاطعة» راسخة في الوعي والأذهان، على الرغم من تعرض بلدنا لموجات متلاحقة من مختلف أشكال المقاومات المعادية لإسرائيل ـ فلسطينية، لبنانية، عسكرية، مدنية، قومية، ماركسية، إسلامية، مختلطة… إلى آخره. فالحق أن مقاطعة الشعب العربي للشركات الداعمة لإسرائيل بين عامي 1948 (تاريخ نشوء الكيان الغاصب) و1993 (تاريخ توقيع اتفاقيات أوسلو المشؤومة) لم تأت نتيجة لقناعة شعبية مسنودة إلى أبحاث تبيّن كيفية دعم هذه الشركات للعدو، بل أتت انسياقاً مع قرار النظام الرسمي العربي (وممثلة جامعة الدول العربية) القاضي بعدم السماح للشركات العاملة في الكيان الصهيوني بالعمل في البلدان العربية. وحين انفرطت المقاطعة الرسمية العربية مع توقيع اتفاقيات أوسلو ووادي عربة (بعد كامب ديفيد)، لم يجد الناشطون العرب المناصرون لقضية فلسطين ما يستندون إليه من معلومات ووثائق يواجهون بها المستسلمين ومثقفي السلطة ويبيّنون لهم ضلوع الشركات المذكورة في دعم إسرائيل. لقد كانت مقاطعة العرب لإسرائيل وداعميها حتى العام 1993 من قبيل «تحصيل الحاصل»، لأن الدولة العربية بأسرها كانت تقاطع العدو (هذا إذا وضعنا جانباً الاتفاقات واللقاءات السرية بين رؤوس بعض الأنظمة العربية وقادة العدو منذ ما قبل ذلك العام بكثير). بيد أن الوضع تغير جزئياً بعد العام 2002، وذلك ببروز حملات مقاطعة شعبية، غير مرتبطة بأي نظام، ترتكز في عملها على الأبحاث والإحصاءات والأرقام، وفي طليعتها «حملة مقاطعة داعمي إسرائيل ـ لبنان» (لقراءة بعض وثائقها ونشرتها، راجع موقع مجلة «الآداب»).
المعوّق الثاني لعمل مقاطعة الشركات الداعمة للكيان الغاصب في لبنان (كنستله وكاتربيلر وماكدونالدز وكوكا كولا واستيه لودر وبير غركنغ وهاسبرو…) هو أن المقاومة الوطنية اللبنانية نفسها، بجناحيها القومي ـ اليساري والإسلامي على السواء، لم تتبن المقاطعة إلا لفظاً في أحسن الأحوال. فحزب الله لم يمارس فعل المقاطعة في معظم الحالات، ولا سيما ضد شركة سويسرية كبرى داعمة للعدو، على الرغم من تقديمنا المعلومات اللازمة إلى عدد من مسؤوليه؛ ولطالما سمعنا من أنصار الحزب من يسخفنا قائلاً إن الحزب يكفيه شرفاً أنه حارب إسرائيل بالسلاح، فكان جوابنا دوماً: سيكون أشرف له بالتأكيد أن يقاتل إسرائيل باليد اليمنى وأن يقاطعها باليد اليسرى، بدلاً من أن يقاتلها بالأولى ويسهم بالأخرى ـ على الرغم من حسن النيات ـ في التغطية على داعميها! وأما الأحزاب القومية ـ اليسارية، فكان دعمها للمقاطعة خجولاً، يكاد ينحصر في طباعة الكتيبات والمشاركة في بعض الاعتصامات أمام ستاربكس وماكدونالدز (يُستثنى من هذا التعميم بعض الناشطين المتفانين في حركة الشعب واتحاد الشباب الديموقراطي ومنظمات شبابية قليلة أخرى كـ«شباب ضد التطبيع»). بل إن تناول الإعلام الوطني والإسلامي (المنار، إذاعة النور، إذاعة البشائر، إذاعة الفجر، تلفزيون الجديد، صوت الشعب، النداء، الرأي الآخر، السفير،…) لموضوع المقاطعة يكاد ينحصر في أحسن الحالات في بعض مقابلات مع عدد من ناشطيها، أو في تغطية خفرة لبعض أنشطتها (يُستثنى من ذلك، على ما تتقضي الأمانة قوله، مجلة «الآداب» التي تواصل حمل راية المقاطعة بشكل دائم وموثق وشامل منذ العام 2002).
المعوق الثالث لعمل المقاطعة هو تشتت نظرة اللبنانيين إلى العدو وإلى مفهوم العدو. فبعد مقتل الرئيس الحريري تحول عداء عشرات الآلاف في لبنان إلى سوريا (أو إلى النظام السوري كما هي حال «اليسار» الحريري) بدلاً من إسرائيل والصهيونية. ولم يتغير الوضع كثيراً حتى اليوم، على الرغم من تبرئة الشيخ سعد النظام المذكور من دم أبيه؛ بل تحولت ضغينة عدد كبير من اللبنانيين إلى حزب الله (وإلى الشيعة بمجملهم أحياناً) بدلاً من إسرائيل، بعد حرب تموز 2006 وأحداث 7 أيار 2008 وبعد التلميح «الدولي» إلى ضلوع الحزب في قتل الحريري (أكتب هذه الكلمات قبل صدور القرار الظني عن المحكمة الدولية). ومن المؤكد أنه، في جو كهذا، جو يصف المقاومة بالعبث والتخريب وحب الموت، ويصف إسرائيل بـ«الجار» أسوة بسوريا (وبغض النظر عن كل الانتقادات الواجبة والمشروعة لسياسات النظام السوري في لبنان بشكل خاص)، يصعب أن تنشط مقاطعة الشركات الداعمة لإسرائيل.
المعوق الرابع مرتبط بما سلف، وهو تضعضع الفكر القومي في ساحة لبنان (وغيرها من الساحات العربية). ما عادت فلسطين هي القضية المركزية لدى عشرات آلاف الناس في لبنان، بمن فيهم بعض القوميين واليساريين السابقين، علماً بأن هدف المقاطعة ليس مجرد «التضامن» مع فلسطين بل هو جزء لا يتجزأ من أجندة نضالية لبنانية في مواجهة كيان لم يكف منذ تأسيسه عن ارتكاب الجرائم والمجازر في لبنان وانتهاك سيادته وأمنه واستقراره. وبدلاً من أن تتجاوز قضية «التغيير الديموقراطي» في لبنان مع عملية «تحرير فلسطين»، حلت لدى الكثيرين القضية الأولى محل الثانية، بل اعتبرت الثانية من مخلفات فكر الأنظمة العسكرية «البائدة»، وكأن تشدق هذه الأنظمة بتحرير فلسطين زوراً يمحو عدالة هذا التحرير، أو كأنه يمكن حصول تغيير ديموقراطي في لبنان بوجود احتلال وخرق للسيادة وتجسس وسرقة مياه ومئات آلاف اللاجئين والقنابل العنقودية. وليس غريباً، والحالة هذه، أن معسكر 14 آذار، بأطيافه كافة، لم يتحدث عن تحرير كامل فلسطين، ولا عن القضاء على الصهيونية، وإنما تبنى طرح السلطة الفلسطينية لما يُزعم أنه «الحل العادل والشامل» للمسألة الفلسطينية: دولة فلسطينية ذات سيادة (!) على حدود 1967.
المعوق الخامس هو تخاذل المنظمات الفلسطينية في لبنان، هي نفسها، وبلا استثناءات تذكر، في تعزيز مقاطعة الشركات الداعمة لإسرائيل. أليس غريباً أن تكتظ الدكاكين الصغيرة داخل أزقة المخيمات الفلسطينية الفقيرة في لبنان بمنتوجات هذه الشركات (ككوكا كولا وفيليب موريس ونستله)؟ أليس بديهياً أن يكون المقاطعون الأوائل هم أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان؟ أليس مفترضاً أن تعمد الفصائل هناك، وان استثنينا الدحلانيين لأسباب مفهومة، إلى حملة توعية تفضح الشركات المذكورة عبر حملة يافطات ومنشورات وندوات؟
المعوق السادس هو عجز حملة المقاطعة في لبنان عن زيادة عدد عناصرها وتطوير كفاءاتهم البحثية والإنترنتية. فعمل المقاطعة، كما لا يخفى، لا يستند إلى قوة العضلات، ولا إلى اللغو الشعاراتي، وإنما يستند أولاً وأساساً إلى بحث دؤوب في المواقع الإلكترونية عن كيفية دعم الشركات للعدو (عبر رعاية مهرجانات «فنية»، أو بناء مصانع في أراض مسروقة من الشعب الفلسطيني، أو الاستثمار في شركات إسرائيلية،…)، وما إذا توقفت عن دعمه أو لم تتوقف، وهل انضمت شركة جديدة إلى داعمي العدو أم بقيت على «حيادها». والحال أن العمل البحثي في لبنان انحصر بين العامين 2002 ـ 2006 في مجموعة صغيرة لم تتجاوز الأربعة في أحسن الأحوال، وهذا ما أدى إلى تعطل فاعليتها بعد زمن. والأمر عينه ينطبق إلى حد ما على عمل المقاطعة خلال العامين الفئائتين، وهو عمل اتخذ منحى فضح الفنانين العالميين (جاد المليح، دي جي تيستو، بلاسيبو،…) الذين زاروا لبنان بعد أن أحيوا حفلات في دولة الاغتصاب الصهيوني على الرغم من عدوان تموز ومجازر غزة ومذبحة أسطول الحرية في المياه الدولية: فقد بقي العمل البحثي محصوراً في حفنة أفراد.
المعوق السابع هو ضعف التنسيق بين حملات المقاطعة العربية، والدولية في ما بعد. ومن الواضح أن شحة الموارد المالية سبب مهم من أسباب قلة التنسيق بين ناشطي المقاطعة. ولا أذيع سراً إذا قلت إننا، ناشطي المقاطعة، نلتقي على هامش مؤتمرات أدبية أو أكاديمية ندعى إليها لأسباب لا علاقة لها بالمقاطعة: فنستفيد من لقائنا خارج بلداننا لعقد لقاءات ليلية محورها المقاطعة لا غير.
المعوق الثامن، وربما الأهم، هو فقدان الأمل لدى أعداد كبيرة من الشبان اللبنانيين في إمكانية تحقيق أي نصر عربي بأي طريقة كانت! نعم، يغلب على الناشطين اللبنانيين الشبان، باستثناء شبان حزب الله في الأساس، شعور بالعبث المطلق من أي تحرك. ولهذا الشعور أسباب على رأسها: غياب المتابعة جراء تهلهل العمل المؤسساتي داخل أكثر الأحزاب، وقلة التثقيف بتجارب المقاطعة العالمية الناجحة (الهند، جنوب أفريقيا،…). ولا بد في هذا الصدد من الإشارة إلى الدور السلبي الذي يؤديه مثقفون عرب لا يكفون، ليلاً نهاراً، عن جلد الذات العربية، وبث مشاعر السوداوية والاكتئاب والعجز، والزعم أننا أمة «مفوتة» و«منقرضة» ولا أمل لنا في النهوض ما دمنا متمسكين بعقلياتنا «القبلية» وبنصوصنا «المؤسسة» الأولى (القرآن).

*****
لكن ثمة اليوم مؤشرات على رغبة أطراف سياسية وطالبية لبنانية (مثل «التحالف الوطني الديموقراطي» و«الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي») في إعادة إحياء المقاطعة الشعبية لداعمي إسرائيل. كما تجري محاولات حثيثة لتفعيل لجنة جديدة «لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها» استناداً إلى مقاربة تركز على مبادئ حقوق الإنسان. وإذا كان لي من تمن أدلي به في هذا الصدد، فهو ضرورة أن نتخفف في مساعينا الجديدة، قدر الإمكان، من المماحكات السياسوية الداخلية، واستبدال ذلك بنزولنا (جسدياً) إلى الشوارع والجامعات والمدارس والمخيمات الفلسطينية والمخيمات الصيفية والمهرجانات الفنية، متسلحين بالأرقام والمشاهد والإحصاءات والبراهين.
إن عزل إسرائيل يجري اليوم بثقة كبيرة في أنحاء عديدة من العالم. وهذا يتم بفضل «الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها»، وهي حملة يقودها فلسطينيون يمثلون أكبر تحالف لقوى المجتمع المدني الفلسطيني. كما أنه يجدر التنويه بالدور الكبير الذي تؤديه كل من «اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل»، و«الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل». وواجبنا كلبنانيين في لبنان وفي المغترب، وكفلسطينيين في لبنان والشتات، وكعرب في كل مكان، أن نكون في طليعة هذا المجهود.

سماح إدريس رئيس تحرير مجلة الآداب، وعضو مؤسس في «حملة مقاطعة داعمي إسرائيل ـ لبنان»

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s