الجاليات الفلسطينية في الدول الغربية ومقاطعة إسرائيل

تاريخ النشر : 2011-03-13 ، محمد بهلول

الدعوة إلى إقامة أمم متحدة من أسفل بهدف مقاطعة إسرائيل تبدو دعوة جادة وهي لم تأتِ من فراغ، أو في إطار الرغبات والمصالح المباشرة، بل تأتِ بناءً لدراسة أكاديمية عميقة تتناول في جوانبها المختلفة، السياسة الإسرائيلية منذ قيامها وحتى اليوم، تجاه الشعب الفلسطيني وإلى حدود معينة تجاه اليهود في العالم أيضاً.
بالمراجعة السريعة لتاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي الحديث؛ يتبين لأي مراقب موضوعي محايد أن هناك عقد عرفي دولي منذ عام 1948 يطابق بين مصالح إسرائيل ومصالح الدول الكبرى، الأوروبية أساساً والأمريكية لاحقاً سيّما بعد عدوان 1956، هذا العقد توصل واقعياً إلى استخلاص يفترض أن الفلسطيني قاصر ولا يستحق دولة، وبالتالي فإن هذه الفكرة باتت تشكل أحد أعمدة الهيمنة الثقافية التي تساهم في سيطرة النخب الغربية على العالم، ولا سيّما منطقة الشرق الأوسط.
هنا تستحضرنا فلسفة “تشارلز ميلر” الذي أكد أن العنصرية ليست إلا نظام سياسي ضمني في الدول الديمقراطية الحديثة “الغربية”، والتي تقوم على أساس أن “البيض” بشر وغير “البيض” ليسوا إلا أنصاف بشر، وهنا يبدو أن الفلسطينيين ليسوا إلا أنصاف بشر من وجهة نظر النخب الفلسفية والاقتصادية والسياسية الغربية المسيطرة.
المفارقة تتبدى بشكل صارخ من كون الصهيونية وبجانب فلسفي كبير منها كردّ فعل عن كراهية اليهود في الدول الغربية في القرون القريبة الماضية، والتي ادعت ـ أي الصهيونية ـ أنها مناهضة للعنصرية، إلا أنها ولمصالح ضيقة مباشرة خدمت الاستعمار العنصري ولا سيما في الدول الفقيرة ومنها الشرق الأوسط، بل وباتت أحد أبرز أعمدته وتحولت بفعل تمغنطها كإيديولوجيا، وضغوط مصالح المعبرين عنها، من مناهضة العنصرية إلى العنصرية ذاتها، لدرجة لم تستطع الأمم المتحدة وبرغم تكوينها وبراغماتيتها إلا أن تصفها كإيديولوجيا ونظام عنصري.
قد تكون مقاطعة الفلسطينيون للشركات والمنتجات الصهيونية قبل عام 1948 وبعدها المقاطعة العربية الرسمية والشعبية بعد عام 1948 والتي لم تلتزم الكثير من الدول العربية واقعياً بها، نتاج منطقي للصراع العربي ـ الإسرائيلي، أي أنها مقاطعة ناتجة عن سياق سياسي.
إلا أن الحملة اليوم لمقاطعة إسرائيل والتي تقوم بها العديد من النخب والمنظمات العالمية (الأوروبية ـ الأمريكية تحديداً) تأتِ نتيجة لفهم منطقي، واقعي لطبيعة إسرائيل ولإيديولوجيتها الصهيونية بكونها معادية للإنسانية وداعية إلى التمييز والعنصرية. إن أفكار ونموذج وقيم الشعوب الأمريكية والأوروبية معادية ومن منطلق إنساني لأفكار ونموذج إسرائيل والصهيونية وممارستها، ومهما طغت الآلة الإعلامية ووسائل نشر الدعاية، إلا أن الحقيقة التي بدأت تتكرس؛ هي أن العديد من النخب والقطاعات الشعبية الغربية بدأت تميل باتجاه مواجهة سياسة إسرائيل العنصرية والتمييزية، وأخذت حركة مقاطعتها بعداً جديداً بحيث باتت تضم الآلاف من الشخصيات والنخب والمنظمات البارزة، وفي هذا السياق يمكن تسمية النظام العنصري البائد في جنوب إفريقيا “أبارتهيد القرن العشرين” والسياسة التمييزية العنصرية الإسرائيلية “أبارتهيد القرن الحادي والعشرين”.
ولعل بانضمام بل وتصدر حركة المقاطعة من قبل “دمير ديز موند توتو” كبير أساقفة جنوب إفريقيا السابق والحائز على جائزة نوبل للسلام ما يؤكد أوجه الشبه الكبيرة، وأن باختلافات غير جوهرية بين جنوب إفريقيا وإسرائيل.
إن إصرار حكومات وبلديات محلية وشركات ونقابات عمالية واتحادات شبابية وكنائس وأكاديميين، وعلى سبيل المثال لا الحصر بنك ASV الهولندي والذي سحب استثماراته منذ عام 2001 من الشركات التي تتعامل مع الاحتلال، كما الدعوة التي حملتها العديد من النخب الطلابية في جامعات بريطانيا وكندا عام 2009 الداعية إلى مقاطعة إسرائيل أكاديمياً ما هي إلا مؤشرات على تعاظم التأييد والإسناد لحملة مقاطعة إسرائيل، وأن ما حصل عام 2009 في البرازيل عندما أكد المنتدى الاجتماعي العالمي الذي حضره ما يزيد عن مائة ألف مشارك عن تأييده لحملة المقاطعة، ما هو إلا تأكيد آخر.
مما لا شك فيه أن إمكانية الرصد الواقعي للعديد من الحملات والفعاليات الداعية إلى المقاطعة، لا يمكن أن يحملها هذا المقال، إلا أننا يمكننا التأكيد على تعاظم وتجمهر هذه الحملة يوماً بعد يوم، وتطورها بأشكال تصعيدية مختلفة.
وداخل إسرائيل نفسها، التي تبدو مضطربة من هذه الحملة والتي وصلت ردود فعلها لدرجة إصدار الكنيست لمشروع قرار في السادس من شباط/ فبراير 2011 يدعو لمحاربة كل من يقف في إطار هذه الحملة سواء كان يهودياً أم غير يهودي، إلا تأكيد على قلق إسرائيل من هذه الحملة وتخوفها من نتائجها المباشرة على المستوى السريع أو المديد.
أمام هذه الحملة المتعاظمة، وأمام المصالح المباشرة للفلسطينيين بمعزل عن انتماءاتهم السياسية أو الجغرافية، لا بُدّ من القول أن الدور الفلسطيني في إطار المغتربات لا زال جنينياً إن لم يكن غائباً، عن الدعم والمشاركة العفوية أساساً أو المنظمة ضرورة من خلال بناء المؤسسات الحقوقية أو التضامنية المختلفة المتوائمة.
فهل تدرك جالياتنا في الغرب حجم مسؤوليتها وتعاظم دورها أم أنها لا زالت في إطار البحث عن المسؤولية والدور.
سؤال نوجهه إلى الجاليات كما إلى دائرة المغتربين في منظمة التحرير وسفاراتنا في الخارج.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s