سجالات المقاطعة والتطبيع ثانية

سجالات المقاطعة والتطبيع ثانية../ د. عبد الرحيم الشيخ*
* رئيس دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت

تاريخ النشر: 21/12/2010 – ساعة النشر: 19:48

خطايا وأخطاء: عمال فلسطين بين “الاتحاد” والهستدروت
لا أظن أن الراحل الفذ محمود درويش كان يوماً عضواً في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وأكاد أجزم بأنه لم يكن عضواً في الهستدروت! لكنه كان عضو لجنة تنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية واستقال، وتفرَّغ لـ”وصف حالتنا” بميزان الذهب:
“خسائرُنا: من شهيدين إلى ثمانيةٍ
كلَّ يوم،
وعشرةُ جرحى
وعشرونَ بيتاً
وخمسونَ زيتونةً،
بالإضافة للخلل البنيوي الذي
سيصيبُ القصيدةَ، والمسرحيةَ، واللوحةَ الناقصةْ”
في وصف حالتنا: حُمَّى الحلول
لا تحيل هذه المقطوعة الشعرية، من تأملات درويش في “حالة حصار”، إلى إحصاء الانتصارات، إذ في الحرب لا أحد يربح، بل ثمة طرف تكون خسائره أقل من الطرف الآخر يدعوه أهل البلاغة “المنتصر”، فيما يخلعون كثير الخسائر من بلاغتهم، ويخلعون عليه وصف “المهزوم” أو “المنهزم”. لم يسلِّم درويش يوماً بالهزيمة، إذ وصف نفسه وشعبه في أكثر من سياق بأنه “شاعر شعب طروادي”، لكنه كان صياداً ماهراً في إحصاء الخسارات. وهذه المقطوعة الشعرية تصف خسائرنا، وتحيل إلى أن خسارة: البشر، والحجر، والشجر (على نحو ترتيبي) يتلوها خسارة بنيوية في الوعي والذائقة. فاته، وكم فاته، خسارة كبرى تسبق هذه الخسارات كلها، وتؤسس لها، بل وتدشنها، وهي: خسارة المقولة السياسية التي ينبغي أن تكون بوصلة العمل الوطني، ومرصد خساراته، وضمادة جرحه في المستويات التي عددتها هذه المقطوعة.
لا أخفي إصابتي بالسيندروم الدرويشي منذ عرفت اسم درويش، ولا أعدُّ هذا التقديم حشواً ولا عرضاً لمتلازمة درويش التي فيَّ، بل وجدته أفضل مدخل لتوصيف الانهيار الوطني العام ابتداءً من المقولة السياسية، وانتهاءً بالمقولة النقابية الفلسطينية، موضع الشاهد في هذه المقالة. وبالتحديد تجميد عضوية الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وهو من أكبر التجمعات النقابية الفلسطينية، من عضوية اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها في الفاتح من كانون الأول الجاري.
وقبل البدء في مقاربة هذه الخسارة (التي هي تصحيح لخطأ على أية حال)، لا بد من عدم إغفال المقولة السياسية التي أدت إليها. فبعد النهاية المعلومة (والتي قال البعض إنها كانت محتومة) للمفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ظهر الرئيس الفلسطيني ملوحاً بدواء النار (حل السلطة)، وظهر آخرون يحاولون إعادة الاعتبار “لخيارات أخرى”، وظهر ثالثون يؤكدون على تكريس المقاومة الشعبية (وعمقها العالمي) لمقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها كخيار استراتيجي و”انتفاضة ثالثة” قيد التنفيذ ضد إسرائيل. وفيما قد تتيح مهنة السياسة للسياسيين الذين لوحوا بـ”حل السلطة” و”حلول أخرى” تفسير مقولاتهم على نحو سياسي منخفض السقف، واصل أصحاب خيار المقاومة الشعبية العمل على خيارهم بنهج وطني وعالمي رؤيوي لا ينقصه البريق.
“تجميد العضوية” وما كان قبله
في هذا السياق، يقف المتأمل المتألم عند تجميد عضوية الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل ويعود إلى الخلف قليلاً أو كثيراً لقراءة هذا الحدث على نحو وفيِّ لتشخيص “خسائرنا” الدرويشية على نحو يمكن تقليلها. ويجد المتأمل المتألم ضالته في رسالة تعتبر أهم وثيقة توضيحية، في رأيي، لقرار تجميد العضوية.
ففي رسالة من اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل إلى الاتحاد بتاريخ 21/11/2009، طالبت اللجنةُ الاتحاد بإلغاء “مشاريعه التطبيعية والتأكيد على التزامه بالمقاطعة” رداً على التصريحات التي نشرتها جريدة Jewish Chronicle بتاريخ 12/11/2009 على لسان أمينه العام (شاهر سعد) حيث جاء في المقال أنه صرح بـأن “اهتمام الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين بالمقاطعة يكاد لا يذكر وأن الاتحاد لا يروِّج لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل.” وقد جاء ذلك في لقاء بين سعد ورئيس كتلة “أصدقاء إسرائيل النقابيون” Trade Union Friends of Israel (TUFI)  في اتحاد النقابات العمالية البريطاني. كما اشتمل المقال المذكور، ومقالات نشرتها الجريدة ذاتها من قبل، على إشادة بالاتحاد من قبل رئيس كتلة أصدقاء إسرائيل مشيراً إلى أن “مقاطعة بضائع المستوطنات هو المجال الوحيد الذي يطبق فيه الاتحاد معايير المقاطعة، وحتى في هذا المجال، كان هناك قلق حول ما إذا كانت هذه المقاطعة يمكن أن تضر أكثر مما تنفع الـ 30,000 عامل فلسطيني هناك (في المستوطنات).”
ولعل هذا الأمر يتطابق مع “الفلسفة” العامة التي يبدو أن الاتحاد يتبناها، من باب رفع العتب على ما يبدو، في مقاطعة بضائع المستوطنات كما ورد في رسالة توضيحات بتاريخ 28/10/2010. كما أنه يعيد إلى الأذهان ترويجات رئيس الـ TUFI روجيه ليون، على الموقع الإلكتروني لكلتة “أصدقاء إسرائيل النقابيون” لتناقضات موقف الاتحاد واجتزائية موقفه في التعامل مع مبادئ ومعايير المقاطعة بالقول: “يبدو أن اتفاق الهستدروت والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين قد قطع ساق معظم الهجمات (على إسرائيل) والدعوات إلى مقاطعتها.”
وقد أشارت رسالة اللجنة الوطنية إلى أنه إلى حينه (21/11/2009) لم يصدر بيان واضح من الاتحاد أو أمينه العام ينفي ذلك. وقد “سبب ذلك إرباكاً غير مسبوق في أوساط الحركة العمالية العالمية المؤيدة للمقاطعة الفلسطينية لإسرائيل، إذ إنه سمح مرة ثانية (فهناك سوابق عديدة)، للوبي المؤيد لإسرائيل في النقابات أن يتهم مؤيدي المقاطعة بأنهم يتصرفون وكأنهم “فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين.” ولا يزال اللوبي النقابي الصهيوني، بالذات مجموعة TULIP و TUFI، يستخدم هذه التصريحات وسابقاتها لقيادة اتحاد النقابات (لعمال فلسطين) ليضرب المقاطعة النقابية لإسرائيل، الآخذة في التنامي بقوة بعد العدوان الإسرائيلي الإجرامي على شعبنا في قطاع غزة المحتل.” ومن الجدير بالذكر أن توقيت هذه التصريحات والتشكيكات في دور حملة المقاطعة لا يأتي إلا بعد إنجازات تاريخية لحملة مقاطعة إسرائيل وكأنه للرد عليها إن نجحت في الغالب، ولضربها إن أخفقت في القليل النادر من مساعيها.
كما أبدت الرسالة استياءها من “ازدواجية الخطاب” الذي تمارسه قيادة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، ما دعا ليس إلى الطعن في أخلاقية أنصار وفاعلي المقاطعة العالميين، بل وإلى التشكيك في وحدة موقف الاتحاد من قبل اللوبي الصهيوني النقابي الذي يدعي أن “جزءاً كبيراً من النقابات العمالية الفلسطينية” يفضل التطبيع مع الهستدروت. وهنا، استبقت الرسالة أي تشكيك من قبل الاتحاد وتحدته أن ينفي ما تناقلته وسائل الإعلام الصهيونية وأنصار إسرائيل (اللوبي الصهيوني النقابي) في التجمعات النقابية العالمية)، ودعت الاتحاد وأمينه العام إلى “توضيح من قبل الاتحاد من المقاطعة (BDS) بشكل واضح لا يقبل التأويل.” ومن المآخذ القاتلة التي عددتها الرسالة على المواقف الكثيرة للاتحاد، المكشوف منها والملتبس منذ العام 2007:
أولاً: وجود مندوب عن قيادة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في المؤتمر السنوي للهستدروت في صيف 2008- والذي انعقد تحت شعار “تيكفا”، أي “الأمل” بالعبرية، وهو أيضاً اسم النشيد الوطني الإسرائيلي، وكان المؤتمر قد عقد كجزء من احتفالات إسرائيل بالذكرى الستين لتأسيسها، أي الذكرى الستين لنكبة الشعب الفلسطيني.
ثانياً: موقف الاتحاد من انضمام إسرائيل إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية العالمية OECD- الذي تم استخدامه من قبل اللجنة الاستشارية لنقابات العمال التابعة للمنظمة TUAC، حيث أصرت على موقفها بتأييد أن انضمام إسرائيل للمنظمة الدولة هو أمر بالغ الأهمية، بحجة أن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين لم يأخذ موقفاً معارضاً لانضمام إسرائيل. وقد لفتت رسالة اللجنة الوطنية للمقاطعة أن الاتحاد لم يبادر إلى اتخاذ موقف بخصوص ذلك، ما يؤكد ما ورد عن وصف موقفه، وما يؤكد خروجه على الصف الوطني لفاعلي وأنصار المقاطعة الفلسطينية: ابتداءً من اللجنة الوطنية للمقاطعة، ومروراً بالموقف الرسمي المعارض للسلطة الفلسطينية المتمثل برسالة رئيس الوزراء، وانتهاءً بمواقف حكومية غربية تحاول عرقلة عضوية إسرائيل في منظمة التعاون، نحو النرويج ونيوزيلاندا.
ثالثاً: الاتفاقية التاريخية-وهي اتفاقية كان من المفترض أن تحل مشكلة الدفعات المستحقة على الهستدروت، كما تنص اتفاقية 1995. غير إن الإسقاطات السياسية لهذه الاتفاقية (الملتبسة على أية حال) تم استغلالها إذ جاء في موقع الاتحاد الدولي لنقابات العمال ITUC أن أحد أهدافها هو “تأسيس العلاقات المستقبلية حول المفاوضات والحوار والمبادرات المشتركة بين الشعبين.” كما أشار الأمين العام (شاهر سعد) إلى أن “هذا يزيل عقبة رئيسية للتعاون في المستقبل” حيث سيشرف على تنفيذ الاتفاقية لجنة مشتركة من الاتحاد والهستدروت.”
رابعاً: اتفاقية اتحاد عمال البناء (أيار 2009)- وهي اتفاقية مع الهستدروت هدفت إلى جلب 30 فلسطينياً وأحد المشرفين في حافلة ليتدربوا (داخل “الخط الأخضر”) على أعمال البناء في المعهد التقني الإسرائيلي، ومن ثم يتم منحهم تصاريح للعمل في مشاريع البناء الإسرائيلية. وقد وقع هذا الاتفاق بعد ثلاثة أشهر من الحرب الإسرائيلية على غزة.
خامساً: الاتحاد والهستدروت معاً لمكافحة الغش في التصاريح (تموز 2009)- وهي “مبادرة” مشتركة بين الهستدروت والاتحاد لمكافحة “الغش في التصاريح.” إذ في رسالة إلى وزير الجيش الإسرائيلي، اتفقت نقابات التحجير الإسرائيلية والفلسطينية على أن هناك وثائق مزورة تباع للمنتجين الفلسطينيين لتسهيل مرورهم عبر الحواجز.
سادساً: اتفاقية اتحاد النقل-“الخط الساخن” (تموز 2007)- وهي اتفاقية يفترض أن تكون فيها لجنة مشتركة من رؤساء نقابات النقل الفلسطينية والإسرائيلية، بالإضافة إلى تمثيل من جيش الاحتلال الإسرائيلي، بهدف تسهيل عبور عمال النقل على الحواجز.
وتخلص الرسالة إلى وصف هذه الاتفاقيات وتقييم أثرها الهدَّام البالغ بالقول: “جميع هذه الوثائق موجودة وواضحة على مواقع الاتحادات النقابية الدولية ذات الصلة، وتستخدم كأداة رئيسية لتقويض المقاطعة مع أن هذه الاتفاقيات ما زالت حبراً على ورق ولم ينفذ أي منها، مما يؤكد أن هدفها سياسي بالأساس كأداة لضرب المقاطعة. ما سبق يوضح أنه على الرغم من توقيع الاتحاد على نداء المقاطعة ووجوده ضمن الهيئة العامة للجنة الوطنية للمقاطعة، فإن اتفاقيات الاتحاد مع الهستدروت تستخدم منذ سنوات لتقويض الدعوة لمقاطعة إسرائيل. إن صمت الاتحاد العام أمام هذا التوظيف المغرض لاتفاقياته مع الهستدروت لضرب أهداف الحملة الوطنية للمقاطعة يثير تساؤلات عدة حول حقيقة علاقة الاتحاد مع الهستدروت وحول ما أثير عن تواطؤ مع اللوبي الصهيوني في ضرب حملة المقاطعة الفلسطينية ضد إسرائيل.”
وقد تم تحذير الاتحاد سلفاً، وتمت دعوته إلى درء التهم (وليس الحدود!) بالشبهات، عبر مطالبته بـ” أن يصدر خلال ثلاثة أيام بياناً واضحاً للرأي العام الفلسطيني والعالمي باللغتين، العربية والإنجليزية، يؤكد فيه التزامه بنداء المقاطعة، واحترامه لتوقيعه عليه، ويطالب فيه النقابات العمالية بتبني المقاطعة؛ (و) ألا يشارك في أي نشاط تطبيعي (ونميز هنا بين اللقاءات والاجتماعات التي يضطر للقيام بها لتحصيل حقوق العمال الفلسطينيين دون دفع ثمن سياسي يضرب المقاطعة وبين اتفاقيات التعاون المشترك والتدريب وغيرها من الأنشطة التطبيعية التي تستغل تحديداً لضرب المقاطعة) مع الهستدروت أو مع أية مؤسسة إسرائيلية أخرى خاضعة للمقاطعة، وألا يعمل بأي شكل مباشر أو غير مباشر على إضعاف أو تقويض المقاطعة في لقاءات ومؤتمرات الحركة النقابية العمالية؛ (و) إرسال رسالة رسمية واضحة إلى (TUAC) مطالباً إياهم بمعارضة انضمام إسرائيل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتمية (OECD)؛ (و) أن يراجع الاتحاد اتفاقياته مع الهستدروت، ويعمل على إنهاء أي اتفاقية تتعارض مع مبادئ ومعايير نداء المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) أو تستغل لضربها.”
ويجدر الذكر أنه قد تم تبني هذه الرسالة، التي لوَّحت بتجميد عضوية الاتحاد في اللجنة (قبل أكثر من عام على التجميد الفعلي موضوع هذه المقالة)، كل من: سكرتاريا اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، والغالبية الساحقة من الهيئات النقابية الفلسطينية التمثيلية، وهي: الاتحاد العام لعمال فلسطين، اتحاد النقابات المستقلة، والكتل التالية: كتلة الوحدة العمالية، منظمة التضامن العمالية، الكتلة العمالية التقدمية، جبهة العمل النقابي، وكتلة نضال العمال.
أما في أعقاب هذه الرسالة، فقد أصدر الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين بالفعل بياناً للرأي العام في الصفحة الأولى من جريدة الحياة الجديدة بتاريخ 26/11/2009 أكد فيه على “موقفه الملتزم والمبدئي في مقاطعة إسرائيل في كافة المحافل الدولية” وثمن موقف كل القوى والمنظمات النقابية والدولية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني” واعتبر “الاتحاد ونقاباته الأعضاء جزءا أساسياً وأصيلاً ولا زال وسيبقى في الإئتلاف الوطني الفلسطيني من أجل المقاطعة.”
وإثر اجتماعات متوالية بين محضر سكرتاريا اللجنة الوطنية  للمقاطعة مع قيادة الاتحاد بتاريخ 11/1/2010 و3/2/2010، نشر الاتحاد لموقفه المساند للمقاطعة على موقعه الإلكتروني إضافة إلى نشر موقف المعارض لعضوية إسرائيل في منظمة التنمية والتعاون الإقتصادي (OECD). غير إن الاتحاد لم يعلن عن إنهاء أي من المشاريع التطبيعية المذكورة في الرسالة السابقة على الرغم من أن الاتحاد في الثالث من شباط 2010 ذكر أن المشروع المشترك مع اتحاد النقل والمواصلات الإسرائيلي قد ألغي بقرار قيادة الاتحاد وأن المبلغ المخصص له استثمر في قطعة أرض في قلقيلية. في حين أن مشروع اتحاد عمال البناء مع الهستدروت لم ينفذ بسبب عدم توفر التمويل.
ومن خلال قراءة ملف هائل من المقالات، والرسائل المتبادلة بين سكرتاريا اللجنة الوطنية للمقاطعة ورئاسة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وبخاصة رسالة “توضيح من الاتحاد العام حول تصريحات رئيس الهستدروت”، يتبين أن موقف الاتحاد قد تغير بشكل جذري على نحو يفيد بأنه تراجع عن توقيع أمينه العام على نداء المقاطعة (بتاريخ 9 تموز 2005) وبيانه للرأي العام (بتاريخ 25 تشرين الثاني 2009)، إذ إن موقف الاتحاد “الجديد”: (1) لا ينفي أخبار الاتفاقيات والاجتماعات المشتركة لكنه يقول إن مصدرها (Tuliponline.org) “يمثل مجموعة نقابية غربية هامشية موالية لإسرائيل”، (2) يأسف الاتحاد أن موقع حركة المقاطعة روَّج لمقولات على لسان رئيس الهستدروت “دون الرجوع لقيادة الاتحاد للتعرف على رأيها والاستماع لموقفها” على الرغم من أن رسالة اللجنة للاتحاد بتارخ 21/11/2009 ناقشت ذلك بوضوح لا يقبل التأويل وأعطت الاتحاد The Benefit of the Doubt ؛ (3) إن ما تم ترويجه من قبل الهستدروت ومناصريه العالميين يعبر عن وجهة نظرهم، “لكن ما طرح ما زال مجرد اقتراحات”؛ (4) “إن قيادة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين على علم باقتراحات بعثة الاتحاد الدولي وتدرسها بكل جدية وبروح مسؤولة على قاعدة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وأن القضية الرئيسية الوحيدة المطروحة على جدول أعمال أي لقاء بين الهستدروت والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين كانت وما زالت تتعلق باسترداد حقوق العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل، وتوفير شروط عمل لائقة ومحترمة لهم، وما زالت قيادة الاتحاد بانتظار رد الطرف الآخر، وبالتالي لم يتم إقرار أجندة اللقاء بعد”؛ (5) “يؤكد الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين مجدداً على تمسكه بحقوق العمال الفلسطينيين، وبالموقف الوطني الفلسطيني من مقاطعة منتجات المستوطنات ورفض العمل في المستوطنات مع توفير بدائل مناسبة للعمال.”
تجميد عضوية الاتحاد في اللجنة الوطنية للمقاطعة
ونتيجة لمماطلات الاتحاد في تلبية مطالب اللجنة الوطنية للمقاطعة، وعدم تجاوبه مع تدخلات قيادات وطنية في الصف الأول لحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، فقد أصدرت اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها بياناً بتاريخ 1/12/2010 أعلنت فيه تجميد عضوية الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في اللجنة. وقد أوردت اللجنة الوطنية للمقاطعة مبررات التجميد (التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بعد تراكم طويل لـ”ملف” الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين على النحو التالي:
أولاً: تناقل وسائل الإعلام الصهيونية لأخبار تشير إلى “أن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين (PGFTU)، برئاسة أمينه العام السيد شاهر سعد، سيعقد اجتماعات مشتركة وصفت بالتاريخية مع الهيستدروت لمدة أربعة أيام في برلين في بداية كانون الأول، وأن هذه الاجتماعات، من وجهة نظر الأمين العام للهستدروت عوفر عيني، ستساهم في “تعزيز التعاون بين النقابات الفلسطينية والإسرائيلية” من خلال مشاريع مشتركة سيتفق عليها خلال إجتماعات برلين وأن هذه الإجتماعات ستكون “بمثابة الرد على النقابات في جميع أنحاء العالم التي تروج لمقاطعة إسرائيل.”
ثانياً: تزامن هذا الخبر مع “إجهاض مشروع قرار قدمه مؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا (COSATU) في المؤتمر الثاني للإتحاد الدولي للنقابات (ITUC) الذي انعقد في فانكوفر-كندا في حزيران 2010، الذي شارك فيه الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين يطالب بمقاطعة إسرائيل على المستوى النقابي، حيث قدم  مشروع القرار من قبل مؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا “بدعم نضال الشعب الفلسطيني العادل والمطالبة العاجلة بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي إضافة إلى الإعتراف بإسرائيل كدولة فصل عنصري…وأن يدعم المؤتمر تقرير جولدستون….الذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وطالب بمحاكمة كافة مجرمي الحرب الذين شاركوا في الحرب على غزة وطالب بمساندة الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل (BDS)” كطريقة سلمية لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي.”
ثالثاً: أنه بعد تقويض مشروع القرار الذي تقدم به مؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا، تبنى المؤتمر الثاني للإتحاد الدولي للنقابات (ITUC) مشروع قرار وافق عليه الهستدروت والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين (PGFTU) أشاد بأهمية “دعم التعاون بين النقابات الفلسطينية والإسرائيلية” وطالب بتطبيق حل الدولتين و”الإعتراف الدولي بحق إسرائيل في الوجود بجانب دولة فلسطينية قابلة للحياة” ويرفض “سياسات حماس المتطرفة” ويعترف بأن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة المحتل في شتاء 2008 كانت “رداً على هجمات الصواريخ”
وقد أشار لب البيان إلى خطورة هذا “التزامن” الذي لم ينفه الاتحاد، حيث “سبب ذلك إرباكاً غير مسبوق في أوساط الحركة العمالية العالمية المؤيدة للمقاطعة الفلسطينية لإسرائيل، إذ أنه سمح… للوبيالمؤيد لإسرائيل في النقابات أن يتهم مؤيدي المقاطعة بأنهم يتصرفون وكأنهم “فلسطينيون أكثر منالفلسطينيين” وبخاصة بعد تنامي حملة المقاطعة العالمية لإسرائيل على نحو منقطع النظير بعد الحرب الإجرامية على غزة والهجوم الوحشي على أسطول الحرية. كما انتقد البيان “ازدواجية الخطاب لدى الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين” على نحو “يخلق صعوبات جمة تعرقل انتشار المقاطعة بشكل أكبر، إذ أنه يعطي انطباعاً وكأن الحركة العمالية الفلسطينية منقسمة حول المقاطعة، وأن “جزءاً كبيراً منها”، كما يدعي اللوبي الصهيوني، يفضل تطبيع العلاقات مع الهستدروت، مستدلاً على ذلك بالاتفاقيات التطبيعية بامتياز التي تخالف كل معايير المقاطعة.”
ولذا، فقد جاء في خلاصة البيان لتجميد عضوية الاتحاد مجموعة من المطالب مفادها أنه “…في ظل هذا الرد الضبابي غير الحاسم، فإن اللجنة الوطنية قررت تجميد عضوية الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين حتى: يصدر الاتحاد بياناً رسمياً واضحاً للرأي العام الفلسطيني والعالمي باللغتين، العربية والإنجليزية، يؤكد فيه التزامه بنداء المقاطعة واحترامه لتوقيعه عليه ويطالب فيه النقابات العالمية بتبني المقاطعة؛ (و) يرسل الاتحاد رسالة رسمية واضحة إلى الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC)-الجهة الراعية للاجتماعات المذكورة، مؤكداً التزامه بنداء ومعايير المقاطعة الرافضة للاجتماعات والنشاطات التطبيعية مع الهستدروت أو مع أية مؤسسة إسرائيلية أخرى خاضعة للمقاطعة؛ (و) يراجع الاتحاد اتفاقياته مع الهستدروت وينهي كافة الاتفاقيات التي تتعارض مع مبادئ ومعايير المقاطعة، ونخص بالذكر الاتفاقية التاريخية مع الـ (ITUC) واتفاقية اتحاد عمال البناء واتفاقية اتحاد النقل.”
تشخيصات
بعد هذا السرد الضروري لفهم هذا السجال الحاد حول المقاطعة والتطبيع، في السياقين الفلسطيني والعالمي، أي نوع من التشخيصات والاستنتاجات يمكن التوصل إليه لإحصاء “خسائرنا” بطريقة أكثر درويشية لتحديد “الخلل البنيوي” الذي أصاب الوعي والذائقة؟
أولاً: سبق المقولة الجماهيرية الفلسطينية للمقولة الرسمية
إن وجود جسم وطني موحَّد باسم “اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها”، واضح الرؤيا، ممثل للفلسطينيين في فلسطين التاريخية، ومتواصل بفاعلية عالية مع العمق العالمي المناصر للقضية الفلسطينية، هو مثال ينبغي احتذاؤه سياسياً (على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية كبيت جامع للفلسطينين).  ومن الجدير بالذكر أن اللجنة الوطنية للمقاطعة تعتبر أكبر تجمع ثقافي ومؤسسي للمقاطعة ومقاومة التطبيع، ويضم المؤسسات والفعاليات التالية: تحالف القوى الوطنية والإسلامية، الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطينيين (مجمد العضوية حالياً)، الاتحاد العام لعمال فلسطين، شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، الهيئة الوطنية للمؤسسات الأهلية، اتحاد النقابات المستقلة، اتحاد الجمعيات الخيرية، الائتلاف الفلسطيني لحق العودة، مبادرة الدفاع عن فلسطين وهضبة الجولان المحتلتين، الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، اتحاد المزارعين، اللجنة الوطنية للمقاومة الشعبية، الحملة الشعبية لمقاومة جدار الفصل العنصري، الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، اللجنة الوطنية العليا لإحياء ذكرى النكبة، الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس، الائتلاف من أجل القدس، الراصد الاقتصادي الفلسطيني، اتحاد مراكز الشباب في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
ثانياً: استعادة الريادة الفلسطينية في توجيه الخطاب والموقف العالمي من القضية الفلسطينية وإسرائيل العنصرية
إن وضوح خطاب اللجنة الوطنية للمقاطعة، وعدالته المستمدة من عدالة القضية الفلسطينية، وتمسكه بالثوابت الوطنية الفلسطينية، مكَّن اللجنة (والهيئات المشاركة فيها بفاعلية، وبخاصة الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل) من تشكيل بوصلة لامتدادها العالمي المعروف بالحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها لأجل فلسطين (Global BDS Movement : Boycott, Disinvestment, and Sanctions for Palestine ).
ثالثاً: العمل على إنهاء الاستعمار لا الاحتلال وحسب، وتكريس الثوابت الوطنية وتجاوز الخطايا والأخطاء (1948-2010)
يتجاوز نداء اللجنة الوطنية للمقاطعة، وعملها المنهجي لتنفيذه، قصور السياسة الرسمية عن تمثيل مظالم الفلسطينيين في حدود فلسطين التاريخية وخارجها، ويعمل على إنهائها، قبالة انحصار الخطاب الرسمي في “حدود 1967″ و”مقاطعة الاستيطان والمستوطنات”. ذلك أن نداء المقاطعة، ومناط عمل اللجنة الفلسطينية وامتدادها العالمي يتمثل في النداء العام الذي يشمل المظلمة الفلسطينية غير مجزَّأة الذي يورد مبررات أخلاقية وقانونية للدعوة والعمل على مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها. على المستويين العربي والعالمي، ويخرقها، وهي: رفض إسرائيل الاعتراف بالمسؤولية عن نكبة الفلسطينيين، وما شملته من تطهير عرقي خلق قضية اللاجئين الفلسطينيين، وإنكارها للحقوق المكفولة للاجئين في القانون الدولي، وأهمها حق العودة-أي حقوق الفلسطينيين في الشتات خارج أرض فلسطين التاريخية؛ وتواصل الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية-أي حقوق الفلسطينيين القاطنين في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1967؛ واستمرار التمييز العنصري الشامل ضد فلسطينيي فلسطين المحتلة في العام 1948 والتفرقة العنصرية الناجمة عنه، على نحو يداني نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا- أي حقوق الفلسطينيين القاطنين، كسكان أصليين، في أراضي فلسطين المحتلة في العام 1948.
رابعاً: تضافر الخطاب الرسمي مع الخطاب الجماهيري
إن الحالة موضع النقاش هنا، وهي الخطاب المتلعثم، والمزدوج دون أدنى شك، للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين حول القضايا المطروحة أعلاه، كان موضع إدانة وعمل حثيث للتقويم من قبل إجماع وطني شعبي ورسمي على أكثر من مستوى للجنة الوطنية للمقاطعة، ومعظم الحركات الوطنية الفاعلية على الساحة، ومنظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية. وإن هذه الوقفة ينبغي أن تكون فاتحة لدراسة كيفية استثمار الخطاب الجماهيري للخطاب الرسمي في هذا النوع من “الحل” وهو حل المقاومة الشعبية ذات العمق العالمي. وبلا شك، فإن هكذا التقاء بين الخطابين لا ينبغي أن يوقف السجال حول معايير التطبيع، والمقاطعة، وأشكال المقاومة عموماً في الساحة الوطنية، بذات المقدار الذي لا ينبغي أن يتوقف فيه الجدل والسجال حول جدوى لقاء موفَدي “معسكر السلام الإسرائلي” في رام الله أو خارجها…لا بأس، فحتى “السلام” يُمارس في “معسكرات” في إسرائيل!
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s