القدس العربي: دبابة الفيلسوف وتجريم مقاطعة المحتلين

خليل قانصو (كاتب لبناني)، القدس العربي، 17 تشرين الثاني 2010

نشرت صحيفة ‘اللوموند’ الفرنسية، في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 (ص 15)، نص مقالة أراد الموقعون عليها التنديد بمبادرة اطلقتها بعض الشخصيات والجمعيات في فرنسا، للتذكير بأن اسرائيل تحتل منذ 1967، الضفة الغربية وقطاع غزة، وتبني على هذه الاراضي مستعمرات للمستوطنين، وتنشئ مؤسسات صناعية وزراعية ، تقوم بتصدير انتاجها الى الاتحاد الاوروبي تحت علامة تجارية ‘صنع في اسرائيل’، او’منتج اسرائيلي’. وفي هذا، بنظر اصحاب تلك المبادرة، احتيال على القانون وعلى الاتفاقيات المعقودة بين الاتحاد الاوروبي من جهة وبين اسرائيل من جهة ثانية. والتي تحظى اسرائيل بموجبها، بامتيازات اعضاء هذا الاتحاد كاملة، في مجال التبادل التجاري وتنقـُّل الافراد.
اذ ان نفاذ هذه الاتفاقيات وسريانها مشروطان، بحسب الوثائق الناظمة لها، باحترام حقوق الانسان، وعدم اغتصاب الارض واحتلالها وطرد الذين يعيشون عليها. ومهما يكن فان الاعفاءات الجمركية الممنوحة للمنتوجات الاسرائيلية لا تشمل ما يـُنتج منها في المستوطنات التي اقيمت في الضفة الغربية، كون هذه المستوطنات فاقدة للشرعية، فهي انشئت على ارض محتلة، بحسب القوانين الدولية. الاوروبيون يفرقون شكلا، وليس فعلا، بين اسرائيل التي تحتل واسرائيل التي لا تحتل، لتبرير تعاميهم عن العلاقة التي تربط بين هذه وتلك. المحتلون لا يستحقون المكأفاة وانما يستحقون العقاب والمقاطعة.
واستنادا اليه، انطـــــلقت في اطار المـــبادرة المذكورة اعلاه حملة (BDS) التي تتجسد في فرنسا بالدعوة الى مقاطعة البضائع الاسرائيلية والضغط على الحكومة والشركات الفرنسية، لكي تجعل توظيفاتها في المشاريع الاقتصادية في اسرائيل مرهونة بانهاء احتلال الضفة والقطاع.
ولكن الحكومة الفرنسية، ممثلة بوزيرة العدل، قررت في الواقع عدم السماح بمواصلة هذه الحملة ضد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة. عن طريق توصيفها بانها مظهر من مظاهر العداء للسامية. وشرّعت مقاضاة الناشطين من اجل مقاطعة اسرائيل اقتصاديا وثقافيا، حتى تتراجع عن احتلال الضفة والقطاع. هكذا بدأت في تشرين الاول/اكتوبر 2010، محاكمة عدد من هؤلاء الناشطين.
ووضعا للامور في نصابها الصحيح، يتوجب القول ان موقف الحكومة هذا، يكاد ان يكون ترجمة عملية لما جاء في المقالة الانفة الذكر. وهي لا تخلو، كالعادة عندما يتعلق الامر بالدفاع عن سياسة اسرائيل العنصرية، من الغلو والغلط والاكاذيب. فلقد اجتمعت فيها لمحات من المناهج الدعائية التي تستخدمها، على الدوام، الصهيونية السياسية وانصارها لتضليل الرأي العام في بلاد الغرب، حسبما تتطلبه حاجة اسرائيل، للتغطية والتمويه عن الطبيعة الحقيقية لهذا الكيان الاستعماري العنصري. بدءا من الفزاعة المعروفة. فاذا بالنشاط السياسي الديمقراطي الهادف الى الكشف عن ان اسرائيل تصدّر الى الاسواق الاوروبية انتاج ارض سرقها المستوطنون من المزارعين الفلسطينيين، يتحول في هذه المقالة الى تهمة ‘بمحو اسرائيل من الاذهان والخرائط’.
ولكن ما يهم من هذا كله هو ان النموذج الذي اتبعه المحافظون في الولايات المتحدة الامريكية وفي انكلترا، لتبرير حروبهم، هو نفسه الذي يقتدي به جميع الذين اختاروا الوقوف الى جانبهم. بمعنى ان الفضائح والمعطيات الدامغة والحقائق الظاهرة والملموسة لا تثني ولا تربك الذين اعتمدوا هذا النموذج عن ترديد مقولات يناقضها العقل وتكذبها الوقائع. واغلب الظن ان هذه الجرأة التي تبلغ احيانا حد الوقاحة (الصديقان بوش وبلير يفتخران بما قاما به في العراق، وحكومات الغرب انساقت امامهما، وبدورها انجرت الانظمة العربية خلف الجميع، من دون حياء او احساس بوخز الضمير)، انما مردها الى التأثير الكبير الذي باتت تمارسه الشركات والوكالات الرأسمالية، المتعددة الجنسيات على وسائل الاعلام. التي تفتح صفحاتها وابوابها امام منظري الهيمنة الامبريالية، وتوصدها بوجه خصومهم.
خذ مثلا على ذلك، الزعم بان الدعوة في فرنسا الى مقاطعة منتوجات المستعمرات الاسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة حتى زوال هذا الاحتلال، من شأنها ان تؤدي في فلسطين الى تقييد حرية التعبير، وعرقلة ‘عملية السلام’ من ناحية، ومن ناحية ثانية الى تغليب الميل نحو الانفصال والتباعد على ‘التعايش المشترك الممكن والضروري’. ويأخذك العجب، عندما تعلم ان هذه الاقاويل، يسوقها الذين طبّلوا وزمـّروا، لحصار العراق، ثم لحصار قطاع غزة، والان لحصار ايران. اي انه لا يضيرهم، بحسب منطوقهم نفسه ‘محو هذه الكيانات من الاذهان والخرائط’.
وما يدعو الى العجب العجاب هو ان يكون تأثير الاحتجاج في فرنسا ضد احتلال الاسرائيليين للضفة الغربية وقطاع غزة، في نظرهم سلبيا على التبادل والتقارب والتعايش بين الفلسطينيين والاسرائيليين، بما يفوق تأثير الحصار المضروب حول القطاع، ومئات الحواجز التي تعرقل تنقل الفلسطينيين على ارضهم، وجدار الفصل العنصري، والمستعمرات المزروعة في ارجاء الضفة الغربية، والطرقات الالتفافية الخاصة بالمستوطنين (اي تمييز اقبح من التمييز بين الذين يحق لهم المشي على هذه الطرقات وبين الذين لا يحق لهم ذلك).
فضلا عن ان هذه الطرقات تقطـّع، الضفة الى كانتونات فلسطينية معزولة عن بعضها البعض. اي انها تفصل الفلسطينيين، ليس عن الاسرائيليين وحسب، ولكنها تفصلهم ايضا عن بعضهم البعض. وماذا نقول، في هذا السياق، عن الاعتقال والاغتيال بصورة عشوائية وكيفية؟ لقد تناسى المعترضون ضد حملة المقاطعة BDS ، وهم كما يدعون فلاسفة وفنانين واشتراكيين، ان الايرلندية ميريد ما غويرالحائزة جائزة نوبل للسلام عام 1976، امضت ستة ايام في سجن اسرائيلي، وان المفكر اللامع ناعوم تشومسكي منع من دخول اسرائيل.
ولكن من المعروف في فرنسا، ان لكل فرد من هؤلاء المعترضين حكاية. فبعضهم يسعى الى تحقيق طموحاته السياسية، وعينه على الانتخابات الرئاسية في 2012، وبعضهم الاخر من اصحاب الامتيازات في وسائل الاعلام. اذ لا يكاد يمر اسبوع من دون ان يظهر احدهم على شاشة احدى القنوات، او ان يكتب مقالا في صحيفة، او يقدم برنامجا اذاعيا. وليس من حاجة هنا الى البسط والتوسع لتبيان ما يربط بين السياسة والاعلام. ومهما يكن، فان الانسان المؤمن بالمساواة بين الناس، الذي يرفض التفرقة على اساس المعتقد والعرق، يفضل الف مرة ان يضع اسمه على لائحة اخرى، تضم اسماء الذين يقفون الى جانب الناشطين من اجل مقاطعة المحتل وادانة الاحتلال، الذين طـُلب اليهم المثول امام القضاء للدفاع عن انفسهم ضد تهمة العداء للسامية الموجهة اليهم. انطلاقا من قناعة راسخة، بان العنصرية هي صفة الذين يستعمرون بلادا ليست بلادهم ويستوطنون ارضا ليست ارضهم. اما مقاطعة المحتلين فهي نقيض العنصرية والعداء للسامية، على العكس من معاونتهم ومساومتهم ومفاوضتهم ومداهنتهم!
ولعل الدليل، على ما تحتويه المقالة، التي نحن بصددها، من تشويه للحقائق وافتراءات لا يقبلها منطق، هو تواقيع الذين يعرفون انفسهم ‘بالفلاسفة الجدد’ عليها. اعتمادا على ما لهم من سوابق، اقلها انهم رأوا العراقيين، او خيـّل اليهم ان العراقيين تهلـّلوا لمشهد دبابات الغزاة الامريكيين في شوارع بغداد، وانهم نثروا الورود على الجنود الامريكيين، خصوصا انه من المحتمل ان يكون كاتب المقالة، هو ذاك الفيلسوف التي نشر في صحيفة اسبوعية فرنسية، ‘يوميات الحرب’ التي يروي فيها مشاهداته، اثناء العدوان على قطاع غزة في مطلع 2009، من ‘فوهة مدفع دبابة’. فلقد التحق كما قال، بوحدة عسكرية اسرائيلية ودخل القطاع معها، في دبابة، ولكن تقرير غولدستون دحض ما جاء في هذه اليوميات، بل اظــــهر ما تبــــطنه من مكر وانحطاط اخلاقي، كما دحضها ايضا، جنود اسرائيليون اعترفوا بالجرائم التي شاركوا بارتكابها في تلك الحرب. يلزم التذكير في الختام بان هذا الفيلسوف، لا يتوخى عادة، الدقة في كتاباته وفي استخدام كتابات الاخرين ايضا. ولكن افتضاح امره يزيده، في كل مرة تصميما.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s