الجامعة الفلسطينية وسباق المسافات الطويلة في مقاومة الاستعمار

نقلا عن جريدة الأيام، 12 تشرين الأول 2010

د. عبد الرحيم الشيخ
قد لا يكون من المستغرب أنه في الوقت الذي يبدو فيه الواقع السياسي الفلسطيني أشبه ما يكون بلعبة “بيت بيوت” قومية يمارسها الكبار على شهوة من الجدِّية ووفرة من قلَّة الحيلة، تتبدى في الأفق مبادرات ثقافية وأكاديمية جادة لتغيير قواعد اللعبة وإعادتها من استيهامات السياسة إلى واقع المواجهة الفعلية مع الاحتلال الصهيوني وأداته الدولانية المتمثلة في إسرائيل كدولة عنصرية بامتياز. ولعل أكثر ما يُعَوَّل عليه فلسطينياً اليوم، بين شعارية خطاب الرسمية الفلسطينية وواقعية الخطاب غير الرسمي، هو المقاومة الشعبية وتكريس سياسات الصمود، لا تلطُّفاً في التعبير عن “تحسين واقع العيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي،” بل كنهج نضالي عالمي بالمعنى المزدوج للكلمة: نهج يحظى بدعم عالمي منقطع النظير ويؤتي ثماره يومياً في اللحظة الفلسطينية الراهنة، ونهج مجرَّب عالمياً في مستوطنات سابقة كانت، أو لا تزال، ضحية للشَّره الاستعماري الممركز أوروبياً، مثل جنوب أفريقيا.

موضع الشاهد هنا، هو الحراك اللافت الذي تقوده ثلاثة تجمعات فلسطينية فاعلة في سياق المقاومة الوطنية، هي: اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها؛ والحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل؛ واتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية، بكل ما تمثِّله هذه التجمعات من فواعل ثقافية وأكاديمية وفكرية على الساحة الفلسطينية والعربية والعالمية. قد تتطلب فلسفة كل واحد من هذه التجمعات ومسيرتها الوطنية في مقاومة الاحتلال مقالة مستقلة، ولكن فعلها الجمعي الذي ترغب هذه المداخلة في إلقاء الضوء عليه هنا، وفتح باب السجال حوله وما يفتح عليه من نقاش لدور الجامعة الفلسطينية من على صفحات “أيام الثقافة،” هو الحراك الواسع الذي تقوم به لاستثمار قرار مجلس جامعة جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا بتاريخ 29 أيلول 2010 والقاضي “بعدم الاستمرار في علاقة طويلة الأمد مع جامعة بن غوريون (في بئر السبع) في شكلها الحالي” وبوضع عدة “شروط لاستمرار تلك العلاقة،” و”إعطاء جامعة بن غوريون مهلة ستة أشهر لإنهاء تواطئها مع جيش الاحتلال (الإسرائيلي) ووضع حد لسياسات التمييز العنصري ضد الفلسطينيين (الذي) يشكل خروجاً ملموساً عن موقف العلاقة المعتادة الذي حكم الاتفاقات بين هاتين المؤسستين حتى وقت قريب.”
قد لا يكون هذا القرار من جانب مجلس جامعة جوهانسبرغ على قدر من الأهمية والأثر المباشر الذي يُلمس يومياً ويؤثر بشكل كبير على دولة الاحتلال، والذي تنجزه المجاميع الفلسطينية المذكورة وامتدادها العالمي المعروف بالحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها لأجل فلسطين (Global BDS Movement : Boycott, Disinvestment, and Sanctions for Palestine )، ولكن أهميته تنبع من مجموعة التقاطعات والقضايا التي يثيرها على المستويات الإسرائيلية والفلسطينية والدولية.
ففي حين تتنامى العنصرية في إسرائيل (من قانون بشارة حتى قانون زعبي، ومن قانون حظر إحياء ذكرى النكبة إلى المصادقة على قانون الولاء لإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية) حدَّ وصف الكنيست الإسرائيلية الحالية، ومن أطراف إسرائيلية، بأنها: “الأكثر عنصرية في تاريخ إسرائيل”… تحظى الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل، ساعة بعد ساعة لا يوماً بعد يوم وحسب، بزخم ودعم منقطع النظير. ورغم تنبُّه السياسيين ومثقفي السلطة الإسرائيليين، ابتداءً من نتنياهو وانتهاءً بالحملات عاثرة الحظ لمناوئة حملات المقاطعة، إلى “الخطر الأكبر المتمثل في نزع الشرعية عن إسرائيل” بوصفها دولة عنصرية مارقة، والذي تشكِّله مجموعات ذات فاعلية عالية على مستوى العالم… إلا إن السياسات العنصرية لدولة الاحتلال في تزايد متواتر وموتور بلغ يوم أمس حدَّ إدخاله إلى طاولة التفاوض: “تجميد الاستيطان مقابل الاعتراف بيهودية الدولة”!
في هذا السياق السياسي الذي يصممه الإسرائيليون باقتدار يُشهد له، والانفعال الباهت (الذي لم يبلغ بعد حدَّ التفاعل) من قبل الفلسطينيين الذين فقدوا، على ما يبدو، قدرتهم على التفاجؤ في الحقل السياسي، يتقدم الخطاب الثقافي والأكاديمي بأجندة مقاومة وفعل ناجزين ينبغي الالتفات إليهما واحتضانهما رسمياً، إن أمكن، وجماهيرياً.

التفاعل مع القرار في السياق الفلسطيني
وقد بدأ هذه الحراك، في الساحة الفلسطينية، بمحاضرة نظمتها اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، بعنوان: “استراتيجية مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وعلاقتها بالمقاطعة: آنذاك والآن،” للبروفيسور الإيرلندي باتريك بوند بتاريخ 26 أيلول 2010 في بيت اجتماع طائفة الفرندز في رام الله. والبروفيسور بوند، الذي زار فلسطين للمشاركة في مؤتمري معهد الحقوق ومركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت في موضوعات ذات علاقة، هو سياسي اقتصادي، خبير في المجتمع المدني وأستاذ في جامعة كوازولو ناتال-كلية الدراسات الإنمائية في جنوب أفريقيا. وقد ألف  عدداً من الأوراق السياسة  ما بين من 1994-2002 في خدمة الحكومة الجديدة في جنوب أفريقيا، وهو من نشطاء حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وفي الحركات الطلابية المجتمعية في الولايات المتحدة الأميركية، كما إنه أحد النشطاء البارزين في الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها في الوقت الحالي.
كان الحضور في القاعة الصغيرة مذهلاً، مع أن نسبة الأجانب كانت غالبة على نسبة الفلسطينيين، وكانت المحاضرة أشبه باحتفال صغير بنصر قادم (هو قرار مجلس جامعة جوهانسبرغ الذي صدر بعد ثلاثة أيام من المحاضرة)، ونصر كبير على نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. لكن المحاضرة، مع ذلك، لم تكن معزِّية بمفقود ولا مبشِّرة بمولود في الحالة الفلسطنية. بل كانت استعراضاً تاريخياً مقارناً، وقدمت نقداً لاذعاً لسياسات التمويل والقوننة في ظل الاحتلال، ولربما كان لذلك علاقة بموضوعَي مؤتمري جامعة بيرزيت حول: “فلسطين والقانون الدولي… آفاق جديدة” و”التمويل الدولي، التنمية، وتشكيل الحيز الفلسطيني” اللذين شارك فيهما البروفسور بوند نفسه بمحاضرات مفتاحية.
أما الخطوة التالية، فقد كانت التحرُّك الفوري للحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل التي أصدرت البيان الأول بهذا الشأن بتاريخ 30 أيلول 2010، ونشرته على موقعها الإلكتروني (www.pacbi.org)، البيان الذي حمل مجموعة من الرسائل المهمة، التي قد يكون من المفيد التأكيد عليها في هذا السياق.
تتمثل الرسالة الأولى لبيان الحملة، الذي افتتح باقتباس رشيمي لنيلسون مانديلا في فضيلة التحرُّز من قيم المصالحة والمساواة والوقوع في فخ الاستحقاقات الدولية المترتبة على “الإيمان” بتلك القيم، (“إيمان من تحته عمل،” على رأي الغزالي)! بالترحيب بقرار مجلس جامعة جوهانسبرغ “بعدم الاستمرار في علاقة طويلة الأمد مع جامعة بن غوريون في إسرائيل في شكلها الحالي” وبوضع عدّة شروط “لاستمرار تلك العلاقة،” والإشادة بالحراك الأكاديمي والثقافي لأعضاء حملات مقاطعة إسرائيل (كنظام عنصري) بكافة أشكالها، الأمر الذي اعتبر انتصاراً كامناً “… في التعبئة المكثفة وعملية رفع الوعي التي قام بها ناشطون وأكاديميون معروفون في جنوب أفريقيا، والتي أكدت، دون أي شك، على تنامي التأييد لحقوق الشعب الفلسطيني بشكل هائل في جنوب أفريقيا. كما لعبت عملية رفع الوعي هذه دوراً أساسياً في التأثير على قرار مجلس جامعة جوهانسبرغ. فقد وقَّع ما يزيد على 250 أكاديمياً، بمن في ذلك بعض الشخصيات البارزة (رؤساء أربع جامعات في جنوب أفريقيا وعدد من القادة البارزين مثل رئيس الأساقفة دزموند توتو وبريتن بريتنباخ وجون دوغارد وأنتيجي كروج وقادر أسمال)، من كافة المؤسسات الأكاديمية في جنوب أفريقيا، على عريضة تحث جامعة جوهانسبرغ على قطع كافة علاقاتها مع جامعة بن غوريون. كما كان تركيز وسائل الإعلام الرئيسية، في الغرب وجنوب أفريقيا، على حقائق تواطؤ جامعة بن غوريون والمسؤولية الأخلاقية الثقيلة الملقاة على كاهلي المؤسسات الجنوب أفريقية على وجه الخصوص تجاه إنهاء كافة أشكال التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية التي تمارس نظام الفصل العنصري، غير مسبوق، مع تغطية واسعة لتلك الآراء المؤيدة للعدالة والقانون الدولي.”
أما الرسالة الثانية، فهي التأكيد على أنه لم يعد بإمكان مؤسسات الأكاديميا الإسرائيلية التستر وراء كونها “مؤسسات أكاديمية ليبرالية في ديمقراطية الشرق الأوسط الوحيدة،” بينما تتواطؤ، مؤسسياً وفردياً، مع الآلة العنصرية لدولة الاحتلال الإسرائيلية. وعلى الرغم من عدم تخلُّص جنوب أفريقيا من إرثها الاستعماري، الأمر الذي لم يغفله البيان، إلا إن وضع جامعة بن غوريون على منظار التصويب كان أمراً ضرورياً، ونتيجة منطقية لجهود حملات المقاطعة الفلسطينية والعالمية لإسرائيل، لا لهويتها الدينية أو القومية (اللتين يصعب التفريق بينها على أية حال في الحالة الإسرائيلية!)، بل لتورطها المكشوف، في الغالب، في سياسات التمييز العنصري التي تمارسها دولة الاحتلال، وتبررها الأكاديميا الإسرائيلية حدَّ شرعنهتا على الساحة الدولية، والتي تمارس حتى في النظام التربوي للتعليم العالي الإسرائيلي (ابتداءً بتفاوت نسب النجاح في امتحان البسيخوميتري، مروراً بسياسات القبول في الجامعات، وانتهاءً بعدم تأمين سكن طلابي لمن لم يؤد الخدمة العسكرية من الفلسطينيين في الجيش الذي احتل بلاده وشرَّد شعبه!).
وأما الرسالة الثالثة، فتتركَّز في تكريس مبدأ “الثالث المرفوع” في الحالات الاستعمارية: فإما أن تكون مع الحرية أو مع الاحتلال، وإما أن تكون في صف الضحية المضطهدة على البِر، وإما أن تناصر الجلاد لأنك تتماهى معه إيديولوجياً أو مصلحياً. وعليه، فإن البيان يرفع شبهة التكافؤ الأخلاقي Moral Equivalency بين سياسات إسرائيل العنصرية التي تحرم الفلسطينيين من أدنى مقومات الحرية (ومنها الحرية الأكاديمية)، والأساليب الأخلاقية التي تنتهجها حملات مقاطعة إسرائيل في ردع الدولة الاحتلالية العنصرية عن سياستها تلك. وعليه، فإن البيان، وإن أشاد بقرار مجلس جامعة جوهانسبرغ، والحراك التعبوي النبيل الذي سبقه وتسبب به، إلا إنه يتحرَّز من “المهلة” التي منحها قرار المجلس لجامعة بن غوريون بأن تعود عن غيِّها وتورطها في ماكنة العنصرية الدولانية لإسرائيل. وهنا، يمكن للمرء القول إن فكرة “المهلة” (لو لم تكن دهاءً سياسياً مكشوفاً لمجلس جامعة جوهانسبرغ) هي فكرة عبثية، إذ العنصرية ليست صفة عابرة لإسرائيل، بل هي إحدى خواصها الجوهرية التي لن تزول ولن تدول ما دامت إسرائيل (ومنذ كتاب هرتزل وحلمه الكابوسي الأول) تعرِّف نفسها بأنها “دولة اليهود.”
وأما الرسالة الرابعة، المنبثقة عن ضرورة عدم المساواة الأخلاقية بين الضحية والجلاد، فموجهة، على ما يبدو، إلى الداخل الفلسطيني بذات المقدار الموجهة فيه إلى الخارج العالمي… فتستنكر أن تكون مقاطعة جامعة بن غوريون تدريجية، ومجزَّأة في نظرتها لعلاقة الجامعة وتورطها في النشاطات العسكرية “المباشرة” أو “غير المباشرة” لدولة الاحتلال، وأن تغفل خطورة الاشتراط بإيجاد شريك فلسطيني أو “محلل شرعي” لمشاريع (تطبيعية) مشتركة بين المستعمِر الإسرائيلي والمستعمَر الفلسطيني وذلك بـ”إقران استمرار العلاقات مع جامعة بن غوريون بعدة شروط منها أن يتم ضمِّ جامعة فلسطينية في اتفاقية تعاون ثلاثي،” الذي “يعكس افتراض مجلس الجامعة “المساواة بين العدل و الظلم،” ما قد “يعني الموازنة بين مؤسسة هي شريك نشيط في نظام الفصل العنصري والاحتلال ومؤسسة أخرى تعاني من ذلك النظام نفسه.”

لا مأرب ولا طروادة!
إن هذه الرسالة، الأخيرة، وهي في اعتقادي الشخصي الأكثر أهمية ضمن رسائل البيان، تستبق إمكانية قبول إحدى الجامعات الفلسطينية الدور الخشبي الفعَّال لحصان طروادة، (وليته كان حماراً لما تمكَّن الغزاة من إحداث ثغرة كبرى في سور طروادة ولما سقطت، وإن كانت مأرب قد سقطت بفأر، لا حصان ولا حمار، وبلا هامش كبير للصهيل أو النهيق!) لشرعنة استمرار جامعة جوهانسبرغ بعلاقتها مع جامعة بن غوريون حين تنتهي “مهلة الأشهر الستة.”
هذا، وقد أدى الحراك المكثف للجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، والبيان الرؤيوي ذي الجذرية العالية، رغم السلامة السياسية الجراحية التي تكتنفه في التعامل مع قرار مجلس جامعة جوهانسبرغ الذي أصدرته الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل… أدى إلى حراك كثيف آخر من قبل اتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية. وقد تناقلت وسائل الإعلام المحلية، اعتباراً من الخميس الماضي الموافق 7 تشرين الأول 2010، أخبار الحراك الأكاديمي بشكل خاص، والثقافي بشكل عام، من قبل عدد كبير من المؤسسات الثقافية والتجمعات النقابية، الأكاديمية منها بخاصة، لاستثمار هذا المنجز والحفاظ عليه.
فقد عقد اتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية اجتماعات مستقلة مع رؤساء الجامعات الفلسطينية، ووجه إليهم رسائل بفحوى قرار مجلس جامعة جوهانسبرغ وتداعياته على الساحة العالمية، والإسرائيلية، والفلسطينية. كما تم توجيه رسائل مشابهة إلى مجلس التعليم العالي الفلسطيني ووزيرة التربية والتعليم العالي الفلسطينية.
وقد كان آخر هذه التحركات البيان الذي عن مجلس اتحاد نقابات الجامعات الفلسطينية والموجه إلى العاملين في سلك التعليم العالي في فلسطين عموماً، والذي جاء فيه: “نتيجة لجهود دؤوبة وشجاعة بادر بها أكاديميون مخلصون من الداعمين لقضيتنا العادلة في جنوب إفريقيا، اتخذ مجلس جامعة جوهانسبرغ – مؤخرا – قرارا بعدم الاستمرار في علاقة طويلة الأمد مع جامعة ” بن غوريون،” إلا إذا قامت جامعة جوهانسبرغ بإيجاد شريك أو أكثر من الجامعات الفلسطينية للقيام بمشاريع مشتركة ثلاثية، وذلك خلال فترة ستة شهور. وفي حالة لم تجد جامعة جوهانسبرغ شريكاً فلسطينياً فإنها سوف تنهي علاقتها مع “جامعة بن غوريون”. وهو الأمر المرجو. إن جامعة بن غوريون كمؤسسة، هي جزء من المؤسسة الرسمية للاحتلال التي تمعن في انتهاك القانون الدولي وحقوق الإنسان. وبالتالي فهي مذنبة بالتواطؤ مع الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، ولا شيء يمكن أن يجعل التعاون معها في أي مشروع علمي مقبولاً من الناحية الأخلاقية أو السياسية. ولا يمكن لنا غض النظر عن ذلك بالحديث عن تفاصيل المشروع المشترك مع جامعة جوهانسبرغ فحسب. وعليه، فإن مجلس اتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية يطلب من جميع الجامعات والكليات الفلسطينية – إدارات وعاملين وعاملات – الالتزام الكامل بالقرارات الثابتة لمجلس الاتحاد ومجلس التعليم العالي بعدم التعاون أو الانخراط في أي مشاريع مشتركة مع الجامعات الإسرائيلية بشكل مباشر أو غير مباشر، بشكل فردي أو مؤسساتي. وكذلك الالتزام بقرارات الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، والتي تحظى بتأييد مجلس الاتحاد وتأييد واسع النطاق من قبل المجتمع المدني الفلسطيني. إن أي خرق لهذه القرارات الثابتة سيؤدي إلى خسارة مساندة كثير من الجامعات العالمية لنضالنا من أجل نيل حقوقنا المشروعة، وعلى رأسها العودة والحرية وتقرير المصير، وبالتالي ترسيخ الاحتلال وسياساته.”

الجامعة الفلسطينية في سباق
المسافات الطويلة
واستناداً إلى هذا الحراك الفاعل، لا بد من فتح السجال حول دور الجامعة الفلسطينية كموقع لمقاومة الاحتلال الصهيوني، وكموقع لإنتاج المعرفة. ولا بد، قبل الحديث عن دور الجامعة، التنبيه إلى خضوعها، تاريخياً، لمجموعتين أساسيتين من المؤثرات: تتمثل الأولى في التأثر بالأنماط السائدة لإنتاج المعرفة في الثقافة العربية؛ فيما تنحصر الأخرى بالامتثال لسياسات المؤسسة الرسمية المتعلقة بتسليع المعرفة وإدارتها. ونظراً لعدم-إمكانية مواجهة هاتين المجموعتين من المؤثرات دفعة واحدة لإعادة الجامعة إلى دورها “الخلاصي،” (المساهمة في تخليص الناس من معاناتهم)، وتفعيل دورها الطليعي المهمَل في إنهاء الحالة الاستعمارية لفلسطين، يمكن أن توفر “النظرية الترحالية،” التي طالما نظَّر حولها إدوارد سعيد ولكنه قضى قبل أن يحيل تنظيره فيها إلى برنامج عملي، إطاراً نظرياً وبرنامجاً عملياً لتحويل الجامعة من حيز حصري لإنتاج “المعرفة الملكية” على أيدي أفراد ممتثلين للمجموعتين السابقتين من المؤثرات، إلى فضاء رحب لإنتاج “المعرفة الترحالية” على أيدي أفراد يحسنون التعامل مع أنواع مختلفة من المؤثرات، ويعملون على تخليص شعبهم من مرارة الاحتلال واستطالاته.
ولا شك أن هذا السجال الدائر حول دور الجامعة لا يختص بالجامعة الفلسطيني ودورها في عملية التحرر الوطني، بل ثمة مجموعة كبيرة من المقولات الكبرى التي تستخدم في هذا السجال على امتداد فترات تاريخية مختلفة، يمكن تكثيفها في القول بأن جامعة الحداثة تختلف عن جامعة ما بعد الحداثة. وقد رصدت مقولات ثلاث هذا الاختلاف.
فالمقولة الليبرالية تصوِّر الجامعة كموقع لإعادة إنتاج الثقافة. وفيما يكثر النقد الليبرالي اليساري التقدمي على وظائفية الجامعة وأداتيَّتها كمكان لإعداد عمالة يتوفر لديها الحد الأدنى من المهارات والمؤهلات لضخها في سوق الإنتاج الرأسمالي؛ يقوم النقد الليبرالي اليميني المحافظ على مهاجمة الحقول الأكاديمية التقدمية كالدراسات الثقافية، ودراسات ما بعد الاستعمار، والدراسات النسوية، ودراسات التابع، نظراً لأنها تُعلي من شأن خطابات الجماعات المهمشة، و”الثقافة الجماهيرية” قبالة ما يعرف بالثقافة العليا، أي منافسة خطابات النخب المسيطرة. ولعله من دواعي المفارقة أن يلتقي هذان النوعان من النقد يسهمان في اعتبار الحقول ما بعد الحداثية في الجامعة اليوم تسهم في “غياب القيم” الكبرى، أو غياب قيم الحكايات الكبرى ونخبها البيضاء، استعمارية كانت أم مع بعد استعمارية أم وطنية.
أما المقولة ما بعد الحداثية، فتتمحور حول زمن النهايات والموت: من موت “المُطلق”، إلى موت المؤلف، إلى نهاية التاريخ، إلى نهاية الدولة، إلى نهاية الجامعة…وذلك نتيجة لفقدانها دورها الطليعي جرَّاء تذرر المعرفة من خلال الفصل الحاد بين مجالي البحث والتدريس في الجامعات. وفي هذا السياق أدخل ليوتار مفهوم “الأدائية” أو Performativity الذي أصبح من خلاله معيار الحكم الوحيد على المعرفة هو “فاعليتها” أي قدرتها أن تكون قابلة للتسليع، ومن ثم التسويق بكميات حالها حال بقية السلع. هنا، تصير الجامعة، بوصفها مؤسسة، سناً في دولاب الرأسمالية التي استعبدت المؤسسة، وحوَّلت من فيها، كبقية رفاقهم الذي خذلوا فكرة المجتمع المدني وروحه، حين تحوَّلوا إلى قابلة تتستر على عملية إجهاض على رأي عزمي بشارة.
وأما مقولة العولمة فجاءت بعد بروز نوع جديد من المعرفة داخل الجامعة قائم على علاقة عكسية بين منتِج المعرفة ومستهلكها وبخاصة بعد انهيار نظم المعرفة القديمة في الحقبة ما بعد الفوردية. وقد بدأت هذه المعرفة الجديدة تتجاوز التقسيم الحقلي القديم بين المعارف والتحول نحو تعددية الحقول interdisciplinarity التي أطاحت بثنائية النظرية-والممارسة التقليدية. وقد أدى هذا إلى تمكين دور المهمشين الذين حاولت مقولات ما بعد الحداثة (غير الممركزة أوروبياً) تمكينهم ومنحهم صوتاً. وكردِّ على ذلك، جاءت مقولة العولمة لتعلي من شأن أداتية الجامعة بوصفها تحتضن قيم السوق وأنظمة المعلومات. وهنا، تتم مكاملة الجامعة وإدماجها في عمل السوق من خلال عمليات الخصخصة والأنجزة داخل دوائر الجامعة ووحداتها. وعليه، تتحول الجامعة إلى مركز رأسمالي آخر للاقتصاد المعولم ويصبح الأكاديميون متورطين في دعم ما يرفعون شعارات الموت له، وبخاصة إذا تم الأخذ بعين الاعتبار عدم الاستقلالية المالية للجامعات أو كثير من المراكز والوحدات التي فيها.
وفي المحصلة، فإنه بين هذه المقولات الثلاث ينشأ تخبط الأكاديميين وراسمي السياسات التربوية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى ضرورة أشْكَلَةٍ أضافية لهذه المخاطر في ظل حالة استعمارية، إذ إن هذه الأخطار هي في الوضع الذي يمكن وصفه بالطبيعي أما في الحالة الفلسطينية فينضاف إلى هذه الإشكالات دور الجامعة الوطني في التحرر من الاحتلال.
وبذا، فقد أدت التحولات الناشئة عن أخذ موقف من هذه المقولات إلى أخطار داخلية وخارجية على مستقبل الجامعة: أما خارجياً، فلم تعد الجامعات هي خط الدفاع الأول عن “المعرفة الجيدة” في الفضاء العام للمجتمع، وذلك لسببين: الأول، إنها ليست هي من يحدد معايير الحكم على المعرفة الجيدة أو النافعة، كما إن الجامعات ليست هي من يصادق على هذه المعارف، بل مؤسسات خارج الجامعة وأكثر سلطوية منها. ومن هنا، تصبح الجامعة واحدة من بقية المشاريع في المجتمع شأنها شأن أية شركة خدمات، أو مركز تدريب، أو مصنع في السوق العام. والآخر، أنه نتيجة لذلك يتحول الطلبة إلى جزء من المجتمع الاستهلاكي بدل أن تكون الجامعة قنطرة عبورهم إلى المجتمع الإنتاجي. ولعل ما يزيد الوضع سوءاً هو قيم “الليبرالية الجديدة” التي تحيل الطالب، تحت ذريعة الخيار الحر، إلى متسوق يأخذ ما يشاء من معارف الجامعة، ويرفض ما يشاء، وكأنه تماماً في سوق. ولا شك بأن هذا يؤدي إلى ضعف إضافي في سلطة الجامعة من حيث نوعية المعرفة المنتجة، وقدرة الجامعة على تحديد ما هو حسن وما هو قبيح في هذه المعرفة.
وأما داخلياً: فقد أدت مفاهيم مثل “دمقرطة التعليم” إلى التقليل من دور الجامعة في تحديد معايير الجودة والنوعية والدفاع عنها، والدفاع عن حقها في تحديدها. وقد كان دور الجامعة التاريخي في إنتاج المعرفة “كعلم” و”كثقافة” في آن قد تم اختطافه منها على أيدي المهمشين بعد أحداث ثورات الشباب في العام 1968. وعلى الرغم من الخطورة التي فرضتها فكرة “دمقرطة التعليم” إلا إنها كانت مفيدة للغاية في تغيير علاقات القوة في معادلة السلطة والمعرفة. أي إن “دمقرطة التعليم” يمكن أن تعمل مع إعادة تأطير الحقل الملكي للجامعة، أو ضده حسب من يطرح أجندة دمقرطة التعليم. ونتيجة لهذين الأثرين، أو الخطرين، تحولت الجامعة إلى دور “إدارة المعرفة وتسليعها” بأكثر من إنتاجها وتحقيلها تخصصياً، وأصبح ذلك الجزء الأكثر أهمية في دور الجامعة. وهنا، جاءت العديد من المقولات التهكمية بأن بطل الجامعة لم يعد الطالب أو الأكاديمي بل الإداري.
ومن هذين الخطرين، يتولد في الحالة الفلسطينية، خطر ثالث: هو أن الجامعة، في علاقتها الملتبسة مع الرسمية الفلسطينية، صارت نظاماً محيلاً إلى ذاته Self-Referential System في تحديد ماهية “المعرفة الأخلاقية”، أو أخلاقية المعرفة، لا بالمعنى الفلسفي أو الديني، بل بالمعنى الوطني المفضي إلى ما يحلو لبعض المثقفين تسميته بـ”الخير العام.” لكن تحديد “الخير العام،” الذي لا شك أن الالتزام بالقرار الوطني العام بعدم إقامة علاقات من الأكاديميا الإسرائيلية استجابة لموقف مجلس التعليم العالي مثال عليه، ليس بالأمر الهيِّن. ومن هنا، جاء الاقتراح بتحويل الجامعة من موقع إلى إنتاج “المعرفة الملكية” (الرسمية) إلى موقع لإنتاج “المعرفة الترحالية” (التحررية).
وقد أمعن مفكرون كثر، من دولوز إلى سعيد، في مديح هذه النظرية حدَّاً لا يمكن سبره في مقام كهذا. لكن الاثنين، وللإيجاز، نهلا من أفكار كارل شميت حول مفهومي الوطنية والمواطنة، والتفريق الفلسفي القديم بين “القانون السماوي/اللغة” و”القانون الأرضي/الناموس” الذي نشأ عن هذا التضاد بين الأزلي والحادث، أو بين السماوي والأرضي، لينتج ثلاث ثنائيات حول: الفضاء (الوطن)، والسكان (المواطن)، وأنماط المعرفة (الوطنية) التي تتباين تبعاً لكل واحد من القانونين المذكورين. ولتبيان التقاطع بين هذه الثنائيات تُستخدم الدولة، عادة، كفضاء تلتقي فيه الخطوط الناظمة لهذه الثنائيات والتي ينتج عنها بناء سياسي-اجتماعي-ثقافي مميَّز. هنا، يتم الحديث عن ثلاثة أنواع من “الخطوط المتعايشة”، بشكل جدلي وجنباً إلى جنب، في فضاء الدولة الذي تنظمه. ولإيضاح الفحوى السياسية لهذه الخطوط الناظمة، يستخدم دولوز، وسعيد من بعده، الإمبراطورية الرومانية كمثال إيضاحي نموذجي للخطوط الثلاثة.
الخط الأخلاقي moral line : وتمثله الإمبراطورية الرومانية، بحيث ترَسِّم حدود الدولة، وتفرض سياساتها وقوانينها، وتحدد شكل المعارف التي تعبر عن الحقائق العليا أو “المعرفة الملكية،” كما تحدد مواصفات “المواطن الصالح” بناء على مقدار امتثاله لقوانينها، والتزامه بمعرفتها. والخط العضوي molecular line: وتمثله القبائل البربرية الغازية التي تتمتع بقدر كبير من الحركية والعبور، ولكنها عند غزوها حدود الدولة تضطر إلى إقامة علاقات مع أهل الثغور، وتبادل المصالح معهم أو تشغيلهم ضد الإمبراطورية. وفي أحيان أخرى تقوم القبائل البربرية بعقد هدنة أو اتفاقات مع الإمبراطورية وتماثل لبعض سياساتها وقوانينها، وقد تأخذ أحياناً ببعض معارفها الملكية. والخط التحرري line of flight: ويمثله الغجر أو البدو الرحَّل الذين تتجلى جذريتهم السياسية والجمالية في عدم التسليم بتقسيمات الإمبراطورية المكانية ولا السياسية ولا المعرفية، كما إنهم غير معنيين بتكريس أي شكل من أشكال المواطنة الدائمة في الإمبراطورية مثل الرومان، أو المواطنة المؤقتة مثل البرابرة. وعليه، فإن هؤلاء الترحاليين يشكلون جماعة اجتماعية وسياسية داخل الإمبراطورية لكنها لا تنتمي سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً للإمبراطورية، ولا يمتثلون لتقسيماتها، أي إنها مجموعة لا رومانية ولا بربرية.
قد يكون من التجني، أو الفكاهة السوداء مقارنة فلسطين بالإمبراطورية الرومانية، مع أن البعض قد قارن فلسطين بالجمهورية الفرنسية من قبل، ولكن فلسطين كوطن محتل مكاناً تلتقي فيه هذه الثنائيات الثلاثة في حالة يمكن أن نسميها “الحالة الترحالية الفلسطينية.” وإذا كان الخط الرسمي للسياسية الفلسطينية يمثل الخط الأخلاقي، فإن النشاط العام لمؤسسات المجتمع المدني يمثل الخط العضوي، فيما يمثل المستقلون ومن لا يمتثلون لسياسات المؤسسة الرسمية، ولا الأهلية، خط التحرر.
وإذا أردنا مثالاً أكثر دقة، فلنأخذ الجامعة ونسحب هذه الخطوط على ما يجري فيها من سياسات، ولنقترح “خط التحرر” كفضاء يمكن العمل من خلاله لإنقاذ الجامعة مما توصف به المؤسسة الرسمية من “جشع،” وما توصف به المؤسسة الأهلية من “انتهازية.” هنا، وفي هذه الحال فقط، يمكن وصف الخط التحرري بأنه السياق الأفضل لـ”إعادة التأطير القادمة”، أي إعادة ترسمي حدود السياسات التي تمتثل الجامعة إليها.
وفي الخلاصة، فإن المطلوب، أولاً، هو تخليص الجامعة الفلسطينية من هجنتها. فالجامعة الفلسطينية اليوم حداثية وما بعد حداثية في آن. حداثية فيما تمتثل به لأنماط إنتاج المعرفة السائدة في الثقافية العربية، وذلك عبر الحفاظ على قدر كبير من الميل نحو الحقلية، وتغليب طرق إنتاج المعرفة غير الترحالية، والامتثال للخطوط العامة لسياسات المؤسسة الرسمية. وهي كذلك ما بعد حداثية عبر تركيزها على شعارات الحرية الأكاديمية، ورغبتها في دمقرطة التعليم، والتدريب المهني العالي الذي يلبي الاحتياجات الوطنية، والتشبيك مع المجتمع المحلي وتقاسم السلطة المعرفية معه… وبذا، فالجامعة تحتوي على النقيضين، أي إنها تحمل في جوفها وصفة متقنة لنهايتها وموت فاعليتها. ولتجنب ذلك المصير ينبغي العمل على مجموعة من الآليات التي قد تحيل الجامعة من “حقل ملكي” لإنتاج المعرفة إلى “فضاء ترحالي” لإنتاجها عبر ممارستها وعلى أكثر من صعيد.
فعلى صعيد النظرية وتوليد المعرفة التنويرية: يجب إنتاج معرفة لا تكرس مفاهيم السلطة، بل تدعو إلى وجود فرد حر تجمعه مع سياقه الاجتماعي مفاهيم موحدة غير إكراهية، وغير قائمة على التمييز والعنصرية، بل على المساواة في الحقوق والواجبات؛ وعلى صعيد الممارسة التربوية: يجب زيادة جسور التواصل بين التربية الرسمية والتربية غير الرسمية (الشعبية)، ويمكن في حالات العالم الثالث الاستفادة من تجارب المجتمع المدني كونها تقع في الغالب خارج معرفة الدول الرسمية؛ وعلى صعيد النظرية والممارسة في المناطق الواقعة تحت الاستعمار كفلسطين: ضرورة إنتاج معرفة تربوية والقيام بممارسة تربوية لا تعيد ولا تنسخ تلك الخاصة بمن قاموا باستعمار فلسطين واحتلالها، أي عدم تقليد من انتصروا علينا، لأننا بذلك لن ننتج إلا تواصلاً لهزيمتنا. وعلى نقطة التقاطع بين هذه الأصعدة: تحديد أولويات الحقل الجامعي في فلسطين من حيث العلاقة بين السياسات والممارسات، على أن تكون أولويات العمل مركزة على: معاينة المشاكل، والمساهمة في طرح الحلول على مستوى السياسات، العمل على تقديم مداخلات تنويرية في تأطيرها، وتجنيد الدعم لتشريعها.
إن من شأن العمل جماعي على هذه الشاكلة أن ينتج المجتمع الأكاديمي الذي نبتغيه، وأن يعيد للجامعة دورها الطليعي، وربما الخلاصي في الحالة الفلسطينية، وذلك عبر إيجاد أفراد يتمتعون بقدر عال من الجذرية أثناء إنتاجهم للمعرفة الترحالية، الجذرية التي ميزت شخصية “المتوحد” عند ابن باجة، و”النابت” عند الفارابي، و”الفلونور” عند بودلير، “والرعوي” عند دولوز، و”المثقف العام” عند سعيد، و”المثقف المدمر” عند فوكو: “أحلم بالمثقف المحطَّم لليقينيات والمسلمات الكونية، المثقف الذي يتمكن، رغم عطالة الحاضر وقيوده، من تشخيص نقاط الضعف، وينفذ إلى مخارج الخلاص، وخطوط القوة.. المثقف الذي يزج بنفسه بإقدام لا يعرف كيف ولا إلى أين، ولا يفكر بالغد لأنه جد مستغرق بالحاضر الثقيل. إنه المثقف الذي يسهم، عبوراً، في طرح السؤال فيما إن كان ثمة من جدوى لحدوث الثورة (وما هو نوع الثورة وما استحقاقاتها إن كان لا بد منها)… إنه من المؤكد أن من هم مستعدون للمخاطرة بحياتهم في سبيل حدوثها، هم وحدهم من يستطيعون إجابة السؤال.”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s