شرعية إسرائيل موضع تساؤل وتخوف من نزعها (2)

محمد المجذوب

جريدة السفير، 18-09-2010

اقترح المندوب السوري في الأمم المتحدة إحالة مسألة تقسيم فلسطين على محكمة العدل الدولية واستشارتها حول الأمور التالية:
1ـ هل يمنح قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة حقاً للأقلية اليهودية في فلسطين في إنشاء دولة منفصلة عند انتهاء الانتداب؟
2ـ ما هو الوضع الدولي لفلسطين عند انتهاء الانتداب في 15/5/1948؟
3ـ إذا أوصى مجلس الأمن في الظروف الراهنة بقبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة، فهل تكون توصيته متلائمة مع الميثاق الأممي والقانون الدولي؟
4ـ هل من صلاحية الجمعية العامة اتخاذ قرار بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود دون استشارة السكان الشرعيين فيها والحصول على موافقتهم؟
وبعد المناقشات طرح رئيس المجلس (وكان آنذاك مندوب بلجيكا) على التصويت ثلاثة اقتراحات:
1ـ الاقتراح البريطاني بتأجيل دراسة قبول (إسرائيل)، وقد سقط لأنه نال أربعة أصوات (بلجيكا والصين وسوريا وبريطانيا) في مقابل سبعة امتنعت عن التصويت (الأرجنتين وكندا وأوكرانيا وكولومبيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة).
2ـ الاقتراح الفرنسي بتأجيل دراسة الموضوع لمدة شهر، وقد سقط أيضا لنيله ستة أصوات (بلجيكا والصين وسوريا وبريطانيا وكندا وفرنسا) في مقابل خمسة امتنعت عن التصويت.
3ـ الاقتراح السوري باستشارة محكمة العدل الدولية، وقد سقط كذلك لنيله صوتين (بلجيكا وسوريا) في مقابل تسعة امتنعت عن التصويت.
وعمد رئيس المجلس بعد ذلك إلى طرح طلب القبول نفسه على التصويت فكانت النتيجة: خمس دول مؤيدة (الأرجنتين وكولومبيا والاتحاد السوفياتي وأوكرانيا والولايات المتحدة)، ودولة معارضة (سوريا)، وخمس دول ممتنعة عن التصويت (بلجيكا وكندا والصين وفرنسا وبريطانيا).
ويكون مجلس الأمن قد رفض بذلك طلب القبول. فالمجلس كان يتكون من أحد عشر عضواً: من خمسة دائمين (الدول الخمس الكبرى)، وستة غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة لمدة عامين. وكانت قراراته في المسائل الموضوعية (ومنها مسألة التوصية بقبول عضو جديد) تصدر بموافقة سبعة أعضاء على الأقل بشرط أن تكون من بينها أصوات الدول الخمس الدائمة.
وبعد هذا الإخفاق اتبعت اسرائيل كعادتها، بمساندة الولايات المتحدة، مختلف أساليب الإغراء والضغط والخداع لانتزاع قرار بالموافقة على قبولها في العضوية الأممية. وانتهزت فرصة توقيع أول اتفاقية للهدنة بينها وبين مصر، في 24/2/1949، فتقدمت في اليوم ذاته بطلب جديد إلى مجلس الأمن. وكانت مصر وكوبا والنروج، بفعل عملية التناوب في العضوية غير الدائمة، قد حلّت محل سوريا وكولومبيا وبلجيكا.
وفي 4/3/1949، وفي جلسة واحدة كانت برئاسة مندوب كوبا، وافق المجلس على اقتراح تقدم به المندوب الأميركي يقضي باعتبار «إسرائيل، بحسب رأي المجلس، دولة محبة للسلام، وقادرة على القيام بالالتزامات التي ينص عليها الميثاق، ومستعدة لتنفيذها. وبناء على ذلك يوصي الجمعية العامة بقبولها عضوا في الأمم المتحدة». وبذلك تحول الاقتراح إلى قرار يحمل الرقم 69، وكانت نتيجة التصويت: تسع دول مؤيدة (الأرجنتين وكندا وكوبا والنروج وأوكرانيا وفرنسا والصين والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة) ودولة معارضة (مصر)، ودولة ممتنعة عن التصويت (بريطانيا).
ونشير إلى أن الامتناع عن التصويت على قرار موضوعي من قبل عضو دائم في المجلس، أو الامتناع عن حضور جلسات المجلس، لا يُسقط مشروع القرار ولا يُعتبر أمراً مماثلاً لحق النقض (الفيتو). ولا يصبح قبول العضو الجديد ناجزاً بعد إصدار التوصية من قبل المجلس، وإنما يحتاج إلى قرار من الجمعية العامة. والمادة 18 من الميثاق الأممي تنص على أن الجمعية تصدر قراراتها في المسائل المهمة بأكثرية ثلثي الأعضاء الحاضرين والمشتركين في التصويت. ومن هذه المسائل قبول الأعضاء الجدد التي يوصي مجلس الأمن بقبولها.
وفي 11/5/1949 ناقشت الجمعية العامة التوصية الصادرة عن مجلس الأمن، والتقرير الصادر عن اللجنة السياسية الخاصة، ووافقت بقرارها الرقم 273، وبأكثرية 37 صوتاً في مقابل 12 وامتناع 9، على قبول عضوية إسرائيل. وكانت الدول العربية الست الممثلة في الأمم المتحدة آنذاك (مصر والعراق ولبنان وسوريا والسعودية واليمن) من بين الدول التسع التي عارضت القرار وأدلت ببعض الحجج القانونية التي تتلخص بأن (إسرائيل) نشأت بطريقة غير مشروعة لأن قرار التقسيم مشوب ببطلان مطلق، وبأن حدودها غير معروفة وغير محددة، وبأن إسرائيل غير أهل لتحمل الالتزامات التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة لأنها لم تنفذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالتقسيم وعودة اللاجئين أو التعويض عليهم.
وتضمن قرار الجمعية بالقبول ما يلي:
«إن الجمعية العامة،
«إذ تأخذ علماً بالتصريح الذي تقبل فيه اسرائيل، بدون أي تحفظ، الالتزامات الناجمة عن ميثاق الأمم المتحدة، وتتعهد باحترامها منذ اليوم الذي تصبح فيه عضوا في الأمم المتحدة،
«وإذ تُذكّر بقراريها الصادرين في 29/11/1947 (قرار التقسيم)، وفي 11/12/1948 (قرار إعادة اللاجئين والتعويض عليهم)، وتأخذ علما بالتصريحات والإيضاحات التي قدمها ممثل حكومة إسرائيل أمام اللجنة السياسية الخاصة بشأن تطبيق القرارين المذكورين…
«تقرر أن إسرائيل دولة محبة للسلم تقبل بالتزامات الميثاق، وأهل للقيام بها، ومستعدة لتنفيذها،
«تقرر قبول إسرائيل عضوا في الأمم المتحدة».
وبهذا القرار ربطت الجمعية العامة ربطا مباشرا ومحكما بين قبول إسرائيل في العضوية ووجوب تنفيذ القرارين المذكورين. وبذلك تكون (إسرائيل) الدولة الوحيدة التي قُبلت في العضوية بشرط، وارتبط قبولها بتنفيذ بعض القرارات المعينة الصادرة عن الجمعية العامة.
وعلى الرغم من تعهد إسرائيل أمام الأمم المتحدة، عند قبولها الرسمي في العضوية، بأن تفي ببعض الالتزامات فإنها لم تبذل أي جهد لتنفيذ أي منها:
1ـ فقرار التقسيم لم يُنفذ، بل ان بن غوريون، رئيس الحكومة آنذاك، أعلن في الكنيست، في نهاية العام 1949، «أن إسرائيل تعتبر قرار التقسيم قراراً غير مشروع وغير موجود».
2ـ وقرار العودة والتعويض لم يُنفذ كذلك، بل إن وزارة الخارجية الإسرائيلية لم تتورع، في تموز/ يوليو 1949، عن تقديم مذكرة إلى اللجنة الفنية المنبثقة من لجنة التوفيق تقول فيها: «إن الساعة لا يمكن ان ترجع إلى الوراء… إن عودة أي لاجئ عربي إلى مكان إقامته الأصلية إنما هي شيء مستحيل».
3ـ وبالنسبة إلى قبولها التزامات الميثاق الأممي واستعدادها للعمل على تنفيذها فإن كل تصرفاتها قد برهنت، منذ اللحظة الأولى لانضمامها إلى المنظمة، على استخفافها بها وتصميمها على عدم الامتثال لسلطتها.
لقد أصدرت الجمعية العامة، بعد العام 1949، قرارات عدة لاحظت فيها أن عودة اللاجئين لم تتم وأن التعويض عليهم لم يبدأ، الأمر الذي يعني ان إسرائيل، باعتراف الهيئة التي وافقت على انتمائها إلى أرفع منظمة عالمية، لم تُبد حتى الآن أي استعداد لتنفيذ الالتزامات التي اقترنت بعملية قبولها. والإخلال بأي التزام منها يكفي لتحقق الشرط المُلغى، أي لبطلان القبول. وهذا الاستنتاج المنطقي أعلنته ندوة القانونيين العرب التي التأمت في الجزائر، في تموز/ يوليو 1967. فقد لاحظت ان عدم تنفيذ إسرائيل قرارات الأمم المتحدة بشأن اللاجئين لا يُحمّلها مسؤولية جسيمة تجاه اللاجئين فحسب، بل يجعل الأمم المتحدة كذلك في حل من التزاماتها تجاهها. ولهذا فإنه يحق للمنظمة فسخ عضوية إسرائيل. فالصلة الوثيقة التي ربطت بها الجمعية العامة في نص واحد بين قبول عضوية إسرائيل وتنفيذ بعض القرارات تؤكد ان الأمم المتحدة قد قصدت إعطاء تنفيذ هذه القرارات صفة الشرط الملغى. وإسرائيل، بإمعانها في رفض القرارات الدولية وإصرارها على عدم تنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها، تكون قد تخلّت برضاها وإرادتها عن تحقيق هذا الشرط، وتكون بالتالي قد جرّدت قرار قبولها في العضوية الأممية من أساسه القانوني وجعلته قراراً باطلاً.
وفي الخلاصة نُبدي الملاحظات الآتية:
1ـ إن الانتهاكات الاسرائيلية الجسيمة والمستمرة للقوانين والاتفاقيات الدولية، والممارسات النازية المتمادية ضد الشعب الفلسطيني، والاستناد دائماً إلى ذرائع واهية لشن هجمات عشوائية على الدول العربية، وتحقير مجلس الأمن الدولي في كل مناسبة… إن كل ذلك يثبت أن إسرائيل لن تكف عن اقتراف أعمالها الإجرامية، أولا لأن وجودها قام، ولا يزال قائماً، على وسائل العنف والشراسة والاغتصاب، وثانيا لأن الولايات المتحدة تعتبر إسرائيل مثلها الأعلى في الحياة وتدافع عنها حتى الرمق الأخير. ولهذا قيل «إنها مع اسرائيل بالحق وبالباطل، وإذا اختلف الحق مع اسرائيل فهي حتماً مع اسرائيل».
2ـ إن تخاذل معظم الأنظمة العربية، واعتراف بعضها، علناً أو ضمناً، بالكيان الاسرائيلي، وخضوعه لأوامر قوى الشر والاستكبار في العالم… إن هذا الوضع المخزي لن يدوم، فريح المقاومة قد هبّت وانتشرت، وهي تحث شباب اليوم على رفع الرأس والتخلص من أدران الماضي، بعد أن ولّى عهد الاستعمار والإذلال، وزالت أسطورة الجيوش التي لا تُقهر، وأتقن المقاومون فن التصدي للطامعين في تراثنا وآثارنا وثرواتنا. «وإسرائيل التي وُلدت وعاشت في الجريمة لم تكن ولن تكون يوما دولة ما دام أصحاب الأرض المسروقة لا يعترفون بها، فهم وحدهم القادرون على إعطائها صك الشرعية».
3ـ إن على العرب وأصدقائهم، أفرادا وجماعات وجمعيات، اغتنام الفرصة الحالية السانحة الحافلة بالتقارير الدولية الصادرة عن المنظمات والهيئات الدولية (ومنها تقرير غولدستون) التي أعلنت استنكارها وإدانتها لأعمال إسرائيل الإجرامية، وتساءلت لأول مرة عن مدى شرعية هذا الكيان، وطالبت بمعاقبة المجرمين من قادته، وإعادة النظر في صحة عضويته في الأمم المتحدة التي قامت، كما ورد في ديباجة ميثاقها، لإنقاذ الأجيال من ويلات الحرب، وتأكيد إيمان الشعوب بكرامة الكائن البشري، والحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وعدم استخدام القوة في غير المصلحة الإنسانية المشتركة.
4ـ إن على هيئات المجتمع المدني في الوطن العربي (وفي طليعتها الجمعيات والنقابات الحقوقية) الضغط بكل الوسائل لإدخال مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، أو مبدأ الولاية القضائية العالمية، في التشريعات العربية، فمن مآثر هذا المبدأ أنه يمنح المحاكم الوطنية، في الدول العربية صلاحية ملاحقة أي شخص ارتكب جريمة دولية خارج حدودها، وصلاحية محاكمته أمامها، سواء أكان من مواطنيها أم من الأجانب. وهناك اليوم دول عدة (منها بريطانيا وسويسرا والسويد) تنص في أنظمتها القضائية على الاختصاص العالمي. ومما يشرح الصدر ان فئة من هذه الدول أخذت تمارس هذه الصلاحية وتهدد المسؤولين الاسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم دولية باعتقالهم ومحاكمتهم إذا دخلوا أراضيها. ولهذا لاحظنا، في الأشهر الأخيرة، إحجام العديد من رجال السياسة والعسكر في اسرائيل عن زيارة بعض الدول الأوروبية، خوفاً من إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم تنفيذاً لمذكرات أو قرارات قضائية صادرة ضدهم باعتبارهم مرتكبي أفعال تدخل في خانة الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s