شرعية إسرائيل موضع تساؤل وتخوف من نزعها

شرعية إسرائيل موضع تساؤل وتخوف من نزعها

بقلم الدكتور في القانون، محمد المجذوب

السفير 16/09/2010

بعد الاعتداء الوحشي على (أسطول الحرية) السلمي، وقبله على قطاع غزة ولبنان، وانتهاك الحقوق والحريات في فلسطين المحتلة، صدر تقرير عن معهد أبحاث (ريئوت) في تل أبيب (وهو معهد للتخطيط الاستراتيجي)، أشار إلى أن إسرائيل بدأت تواجه حملة عالمية تهدف إلى نزع الشرعية الدولية منها، وتصويرها ككيان استعماري مرتبط بممارسات نازية وتمييز عنصري. وحفل التقرير بالكثير من المؤشرات التي تثبت ذلك، منها:

1ـ التظاهرات المعادية لإسرائيل، التي اندلعت في حرم بعض الجامعات في الولايات المتحدة لدى إلقاء نائب خارجية إسرائيل (يعالون) والسفير الإسرائيلي محاضرات فيها.
2ـ الاحتجاجات ضد التصرفات الإسرائيلية في فلسطين خلال المباريات الرياضية التي تجري في الخارج.
3ـ الحملات في أوروبا التي تدعو الى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية.
4ـ إصدار العديد من مذكرات التوقيف ضد مسؤولين إسرائيليين متهمين باقتراف جرائم دولية وملاحقتهم أمام القضاء في كثير من عواصم العالم.
5ـ قيام هيئات دولية كبرى، مثل منظمة العفو الدولية وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، بتوجيه انتقادات لاذعة الى إسرائيل واتهامها بانتهاك تلك الحقوق.

ولعل التقرير المذكور كان انعكاساً لما ورد في تقرير القاضي (غولدستون) الذي عيّنته الأمم المتحدة رئيساً لمهمة تقصي الحقائق حول عدوان إسرائيل على غزة، فاتّهم المسؤولين الإسرائيليين بارتكاب جرائم حرب، وأوصى بإحالة الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا رفضت إسرائيل فتح تحقيق في تلك الجرائم.

فإسرائيل إذاً، كما أكدت وكالة الصحافة الفرنسية، تواجه حملة عالمية لنزع شرعيتها الدولية وعزلها وتصويرها ككيان استعماري يقوم بممارسات نازية وعنصرية. ولهذا دعا تقرير معهد (ريئوت) الحكومة الإسرائيلية إلى عدم تجاهل «الانتقادات المشروعة»، وأوصى باستخدام السفارات في الخارج من أجل إيجاد شبكات تضم أناساً قادرين على الرد على الهجمات الموجهة إلى إسرائيل.

واعتبر الجنرال المتقاعد، والرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، شلومو غازيت، أن ما ورد في تقرير معهد (ريئوت) يشكل تحدياً استراتيجياً ومصيرياً يواجه إسرائيل، وأن خطر فقدان شرعية الوجود يحوم فوق رأسها فعلاً، وأن هذا الخطر ليس نظرياً، بل يمكن أن يتحقق في العقود المقبلة. وأكد غازيت أنه من دون إحداث تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية القائمة، ومن دون إلغاء الواقع القائم على أساس فرض سيطرة الإسرائيليين على شعب آخر، فإن حملة نزع الشرعية من إسرائيل لن تختفي، بل على العكس ستتفاقم.

والحقيقة أن الشك في شرعية وجود إسرائيل أمر مطروح منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. فقد اعتبرت عصبة الأمم أن الأقاليم التي انتزعت من الإمبراطورية العثمانية المهزومة تقطنها شعوب لم تبلغ بعد درجة من الرقيّ تؤهلها لحكم نفسها بنفسها، وأنه من الأصلح وضعها تحت انتداب دول متمدنة. وكانت فلسطين من نصيب الانتداب البريطاني.

ونظام الانتداب يستمد قواعده من ميثاق العصبة. ويمثل صك الانتداب على فلسطين الذي أقرّته العصبة في 24/7/1922، التطبيق التنظيمي لذلك النظام.

وعد بلفور باطل

لقد لاحظ معظم الباحثين أن صك الانتداب لا يأتلف مع نظام الانتداب. ويتجلى ذلك في عدة مخالفات جوهرية، أهمها تبني الصك لوعد بلفور الذي تعهدت فيه بريطانيا، في 2/11/1917، “بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”. وهذا الوعد باطل لعدة أسباب:

1ـ لأنه صدر في العام 1917، أي في وقت لم تكن لبريطانيا فيه أية صلة قانونية بفلسطين.

2ـ لأن احتلال بريطانيا لفلسطين حدث بعد صدور الوعد، ولأن بريطانيا أعلنت أن الهدف من احتلالها هو تحرير فلسطين من السيطرة العثمانية وإقامة حكومة وطنية فيها.

3ـ لأن الوعد أعطى فلسطين لمجموعة من مهجرين أو مهاجرين لا يملكون أي حق فيها.

4ـ لأن الوعد ليس اتفاقية بين دول.

5ـ لأن الوعد أضر بالحقوق التاريخية والقومية المكتسبة لسكان فلسطين الذين اعترفت لهم الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بحق تقرير المصير، وحق اختيار النظام السياسي والاجتماعي الذي يلائمهم.

6ـ لأن الوعد يتناقض مع بعض المواد في ميثاق العصبة، مثل المادة العشرين التي تنص على «أن جميع أعضاء العصبة يقرون بأن هذا الميثاق يلغي كل الالتزامات والاتفاقات الدولية المتعارضة مع أحكامه…». وكان على بريطانيا الالتزام بهذا النص وإلغاء وعد بلفور.

7ـ لأن الوعد يتناقض مع الوعود البريطانية المعسولة الواردة في الرسائل المتبادلة بين الشريف حسين والمسؤول البريطاني مكماهون، التي تتضمن تعهداً بريطانياً بالاعتراف باستقلال الدول العربية وإنشاء مملكة عربية. وتلك الرسائل لا تأتي على ذكر الوطن القومي اليهودي.

وتميّزت فترة الانتداب البريطاني على فلسطين بالتحيّز في المعاملة، والتمييز بين السكان، وتشجيع الهجرة اليهودية، وتدريب العناصر الصهيونية عسكرياً، وتأجيج نيران الفتن والأحقاد بين كل الجماعات في فلسطين، واندلاع الانتفاضات والتظاهرات والاحتجاجات.

وبعد العام 1945، عقدت مؤتمرات وقدمت اقتراحات ومشاريع، وشكّلت لجان بهدف إيجاد حل للوضع المتأزم في فلسطين، فباءت كلها بالفشل.

وفي 2/4/1947، دعت بريطانيا الأمانة العامة للأمم المتحدة إلى عقد دورة خاصة للجمعية العامة من أجل مناقشة الوضع المتردي في فلسطين. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت قضية فلسطين الهم الدائم للمنظمة العالمية، وخصوصا بعد صدور قرار الجمعية العامة، في 29/11/1947، بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، وإخضاع القدس لنظام خاص.

قرار التقسيم غير قانوني

تساءل الفقهاء الدوليون عما إذا كان يحق للأمم المتحدة التدخل في القضية الفلسطينية واتخاذ قرار بالتقسيم، فأجمعوا على أن هذا القرار إجراء غير قانوني، وأدلوا بحجج دامغة، وأهمها:

1ـ إن الأمم المتحدة حلّت محل عصبة الأمم كمنظمة عالمية، ولكنها لم تخلفها في صلاحياتها بالنسبة إلى الانتداب على فلسطين.

2ـ إن صلاحيات الجمعية العامة في شؤون الأقاليم الخاضعة للانتداب مقيّدة بأمرين: أحكام صك الانتداب، وأحكام الميثاق الأممي. فليس في إمكان المنظمة العالمية إقرار أي حلّ للقضية الفلسطينية مخالف لأحكام صك الانتداب الذي تضمن عدداً من الحلول ونص على انتهاء الانتداب بإقامة حكومة مستقلة في فلسطين، على غرار ما جرى في كل من العراق والأردن وسوريا ولبنان. ولكن الأمم المتحدة فضلت التقسيم فجاء قرارها مخالفاً لصك الانتداب ومناقضاً للمادتين 10 و14 من ميثاق الأمم المتحدة، اللتين تخولان الجمعية العامة حق إصدار التوصيات دون اتخاذ القرارات. والفرق واضح بين التوصية التي لا تتضمن، قانوناً، قوة الإلزام، والقرار الذي ينطوي على هذه القوة. وقرار التقسيم، كما أرادته الجمعية العامة، هو قرار إلزامي وليس توصية بسيطة. والبرهان أن أحد بنوده يطلب من مجلس الأمن “أن يعتبر كل محاولة ترمي إلى تغيير التسوية التي ينطوي عليها هذا القرار بالقوة، تهديداً للسلام، أو إخلالا به، أو عملا عدوانيا، وفقا للمادة 39 من الميثاق”.

3ـ إن الجمعية ملزمة، لدى إصدارها توصيات تتعلق بمصير شعب، باحترام مبدأ تقرير المصير الذي تنص عليه المادة الأولى من الميثاق. وكان من واجبها، عند عرض القضية الفلسطينية عليها، أن تلجأ إلى إجراء استفتاء بين الفلسطينيين لمعرفة رغباتهم. ولكنها لم تفعل. وكان بإمكانها أيضا التجاوب مع الاقتراح المطالب باستشارة محكمة العدل الدولية حول صلاحيات الأمم المتحدة في هذه القضية. ولكنها رفضت ذلك.

والخلاصة أن الأمم المتحدة تجاوزت صلاحياتها باتخاذ قرار التقسيم، وان إنشاء إسرائيل كان عملا أو تصرفا لا يقوم على أساس قانوني.

لو وضعنا جانبا كل الحجج القومية والإنسانية التي يستند إليها العرب عادة لدعم موقفهم الرافض للمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، واكتفينا بوجهة نظر القانون الدولي المعاصر، لوجدنا أن الكيان الصهيوني في فلسطين قد أقيم منذ البداية على أساس باطل ولا شرعي.

فالقانون الدولي لا يحفل بمسألة الشرعية إلا من خلال انسجامها مع مبادئه. ومع أن مبادئه ما زالت تتعرض للانتهاك، فإن الانتهاك لا يشكل خطرا على وجود القانون. إن الخطر يبدأ عندما يحاول المجتمع إضفاء صبغة قانونية على خرق القانون، محاولا تبرير هذا الخرق أو تكريسه.

ومذهب عدم الاعتراف في القانون الدولي هو الذي يضع المعيار الذي تعتمده الدولة للاعتراف بدولة أو حكومة جديدة. وهناك اليوم تيار يشترط في الدولة أو الحكومة الجديدة توافر شروط معينة كي تحظى باعتراف الحكومات الأخرى بها. ويطلق على هذا التيار اسم: نظرية الشرعية. وهذه النظرية تطبق على صعيدين:

1ـ على صعيد داخلي (نظرية الشرعية الداخلية). وهي تعني، في التعامل الدولي، رفض الاعتراف بالحكومات التي تقوم عن طريق القوة أو الخديعة أو الإرهاب، أي بطريق غير شرعي وغير دستوري، أي دون الحصول على ثقة الشعب.

2ـ وعلى صعيد خارجي (نظرية الشرعية الدولية). وهي تقضي بألا يكون قيام الدولة أو الحكومة الجديدة مخالفا لقواعد القانون الدولي، أو نتيجة لخرق التزامات دولية، عامة أو خاصة.

ونعترف بأنه من الصعب إلحاق هذه النظرية بالقانون الدولي العام، واعتبارها قاعدة إلزامية من قواعده الثابتة، لأن قوتها أو قيمتها مرتبطة بمدى الموافقة عليها وحمايتها.

ولعل أقرب النظريات إلى الواقع هي تلك التي ترى أن الحكومة يجب أن تحظى بالاعتراف عندما تثبت قدرتها على ممارسة سلطتها على الإقليم بصورة إيجابية ومستقرة، وعلى الوفاء بالتزاماتها الدولية. وهذا يعني عدم الاعتراف بأية حكومة تتقلد السلطة عن طريق العنف، أو تفرض نفسها على السكان بمساعدة أو مؤامرة أجنبية، أو تقوم على مبادئ تتنافى والأخلاق أو القواعد الدولية، أو تظهر عاجزة عن احترام التزاماتها الداخلية والدولية، أو تعلن في كل مناسبة تنكّرها لكل المبادئ والقرارات الدولية واستهتارها بها.

وجميع هذه المثالب تتوافر في الحكومة الإسرائيلية منذ قيامها. والموقف العربي الرافض للاعتراف بالكيان الصهيوني ينسجم كل الانسجام مع مذهب عدم الاعتراف في القانون الدولي، لأن هذا الكيان قد قام على أساسين باطلين: الأول، كما ذكرنا، هو قرار التقسيم الذي يخالف أحكام ميثاق الأمم المتحدة التي تكرّس حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار أنظمتها. والثاني هو الجريمة الدولية الكبرى التي يشكلها وجود كيان يعتنق عقيدة سياسية واجتماعية (الصهيونية) اعتبرتها الأمم المتحدة، في العام 1975، شكلا من أشكال العنصرية.

عدم تنفيذ شروط قبول إسرائيل في الأمم المتحدة

في 29/11/1948، تقدمت إسرائيل بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة بهدف قبولها عضواً في المنظمة العالمية. ونوقش الطلب في عدة جلسات في مجلس الأمن. وفي 17/12/1948، وفي جلستين صباحية ومسائية، أنهى المجلس مناقشة الطلب، وفي الجلسة الصباحية قدم مندوب سوريا، فارس الخوري، مرافعة طويلة حفلت بالحجج والمستندات القانونية التي تدعم الموقف العربي الرافض لقبول إسرائيل في الأمم المتحدة. وبالإمكان تلخيصها بالنقاط التالية:

1ـ ليس لـ(إسرائيل) حدود جغرافية معينة. وهناك دول كثيرة، منها الدول العربية المتاخمة لفلسطين ودول الشرق الأوسط، تشكك في هذه الحدود.

2ـ إسرائيل تدعي ممارسة سلطة واقعية De factoعلى سكان إقليمها، غير أن غالبية هؤلاء السكان هي من العرب.

3ـ من مقومات الدولة في القانون وجود حكومة مسؤولة. وإسرائيل تدعي أن فيها حكومة مؤقتة، فكيف وجدت هذه الحكومة؟ ومن انتخبها؟

4ـ قلة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اعترفت بالحكومة الإسرائيلية المؤقتة باعتبارها سلطة «واقعية». بل هناك دول كثيرة داخل مجلس الأمن لم تعترف بعد بـ(إسرائيل). فكيف يحق للأمم المتحدة قبول كيان من هذا النوع ومساواته بالدول الأعضاء ذات السيادة الكاملة؟

5ـ من المناقشات المستفيضة التي جرت في الجمعية العامة واللجنة الأولى فيها نستنتج رفض كل المشاريع التي استهدفت الاعتراف بوجود دولة (إسرائيل).

6ـ خلال الجلسات السابقة لمجلس الأمن أعلن هذا المجلس أنه ينتظر دراسة اللجنة الأولى في الجمعية للموضوع لكي يدلي برأيه. وجميع القرارات التي صدرت عن اللجنة لم تكن لمصلحة إسرائيل.

7ـ أعلن مجلس الأمن في مناسبات كثيرة انه لا يحق لأي فريق في النزاع الحصول خلال فترة الهدنة على مكاسب سياسية أو عسكرية. أفلا يشكل قبول (إسرائيل) في العضوية الأممية مكسباً سياسياً لها؟

8ـ من المتفق عليه أن قرارات مجلس الأمن يجب أن تهدف إلى إقامة علاقات ودية بين الدول، فكيف ستكون ردود فعل الدول العربية والإسلامية، والدول التي لم تعترف بوجود دولة (إسرائيل) في حال الموافقة على قبولها عضواً في المنظمة العالمية؟ ثم إن قبولها سيزيد الصهيونيين تعنتاً وتصلباً ويعرقل مهمة لجنة التوفيق.

9ـ ما زالت إسرائيل تقوم بأعمال توسعية وتعسفية في الأرض الفلسطينية، وقبولها في الأمم المتحدة يعني اعتراف مجلس الأمن بحق الاغتصاب والغزو.

10ـ تدعي إسرائيل أنها تمارس سلطة كاملة في المنطقة التي تحتلها، وان العرب يشكلون أقلية في هذه المنطقة. ولو افترضنا أن الادعاء صحيح فمبادئ ميثاق الأمم المتحدة تمنح الأقليات حقوقا وتحرّم اتخاذ التدابير التعسفية ضدها. فهل يرضى مجلس الأمن، في حال الموافقة على قبول (إسرائيل)، بمكافأة الظالم والمغتصب لحقوق الغير؟
_________
للبحث تتمة.. 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s